الصفحة 207 من 272

هكذا كانت الأمور في حس الأجيال الأولى من المسلمين .

كان الذي يجمّع حياتهم كلهم ، ويؤلف بينها ، ويوحد وجهتها ، هو لا إله إلا الله ، بمفهومها الهائل العميق .

فحين تكون لا إله إلا الله هي الاعتقاد اليقيني الجازم بوحدانية الله جل جلاله ، وتكون من ثم هي الالتزام الجاد بمنهج الحياة الشامل المنزل من عند الله ليصحح مسيرة الإنسان في الحياة الدنيا ليصل به إلى مستقره الآمن في الآخرة .. فعندئذ لا يمكن الفصل بين أمر في هذا الدين وأمر ، ولا يمكن الفصل بين جزء من هذا المنهج وجزء (1) !

وحين كانت الجاهلية تعبد آلهة شتى - حتى مع قولهم بألسنتهم إن الله هو رب الأرباب ، وإنهم لا يعبدون الآلهة الأخرى إلا لتقربهم إلى الله زلفى ! - كانت حياتهم شتاتا لا يتجمع .

كانوا لا يؤمنون بالآخرة ، ومن ثم فلا صلة في حسهم بين الدنيا والآخرة .

وكانت الأرباب المعبودة شتى ، ومن ثم كانت العبادة مفرقة موزعة .

فالأصنام تعبد ساعة . والقبيلة تعبد ساعة . وعرف الآباء والأجداد يعبد ساعة . والهوى والشهوات تعبد ساعة . أو هي تعبد كلها جميعا ولكن بغير اتصال في الحس ولا ترابط . فالحياة تعاش ساعة بساعة بغير هدف حقيقي ولا غاية:

( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) (2) .

وما دامت على هذا النحو فهي تعاش بمقتضى هوى اللحظة القائمة بغير حساب لما عداها:"اليوم خمر وغدا أمر"!!

(1) راجع فصل"مفهوم لا إله إلا الله".

(2) سورة الجاثية [ 24 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت