الصفحة 208 من 272

ومن ثم كان الشتات هو الطابع المميز لتلك الجاهلية ككل جاهلية في التاريخ ، وإن اختلفت درجات التشتت ومظاهره بين جاهلية وجاهلية على مدار التاريخ ! (1) .

ثم آمنت تلك الجاهلية بلا إله إلا الله فأصبحت خلقا آخر ..

تجمع الشتات المتناثر ليلتقي في وحدة شاملة .

تجمعت القبائل المتناحرة لتكوِّن"أمة"لأول مرة في تاريخها ، وكان قد مضى عليها من الزمن ما لا يحصيه إلا الله ، ولا تقدر على هذه الوحدة لأنها تفتقد عنصر التجميع ! .

وتجمعت أجناس وألوان ولغات وثقافات متباينة ، فانصهرت كلها في بوتقة تلك الأمة الواحدة ، على نمط غير مسبوق ولا ملحوق في التاريخ !

وتجمعت"النفس"في وحدة موحدة الاتجاه .

لم تعد لحظة الجسد تسير في اتجاه ، ولحظة العقل في اتجاه ، ولحظة الروح في اتجاه .

فالإنسان كما فطره الله وحدة مترابطة متكاملة ، لا ينفصل فيها جانب عن حانب ، ولا يمارس الحياة تفاريق ! وإنما فقد ترابطه الفطري حين تفرقت آلهته وتفرقت عبادته . فلما توحد معبوده ، وتوحدت عبادته ، تجمع الشتات المتناثر ، وعاد كما خلقه الله ، تلك الوحدة الشاملة التي يتألف منها"الإنسان".

وتوحد سلوك الإنسان على منهج موحد ..

لم يعد إنسان يقول: اليوم خمر وغدًا أمر . فما الفرق بين اليوم والغد ؟ هل اليوم لإله والغد لإله ؟ أم هو إله واحد له اليوم والغد وجميع الحياة ؟! .

ومن ثم تجمعت ألوان النشاط المختلفة لينتظمها منهج واحد ، مستمد من عند الله الواحد ، وموجه إليه .

(1) الجاهلية المعاصرة هي أشد الجاهليات تمزيقًا لوحدة الإنسان وتشتيتا لاتجاهات حياته . ومن ثم يكثر فيها الانتحار والجنون والقلق والأمراض النفسية والعصبية . ويشتد فيها الشعور بالضياع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت