فهرس الكتاب
تلك كلها من مقتضيات"التصديق"بمعناه الاصطلاحي الخاص الذي يعبر عنه القرآن بالإيمان ، والتي لا يحتج فيها بالمدلول اللغوي ، كما لا يحتج به في معنى الصلاة ومعنى الزكاة وغيرها من المصطلحات الإسلامية ، التي حددت الاستعمال اللغوي ، وألحقت به مقتضيات معينة لا يحملها المعنى اللغوي بالضرورة .
وأما الاحتجاج بورود عمل الصالحات في التعبير القرآني معطوفا على الإيمان ، والاستدلال من ذلك على أن العمل ليس داخلا في مسمى الإيمان لأن"الواو"تقتضي المغايرة ، إذ أن الشيء لا يعطف على نفسه .. فهو لا يقل تهافتا ولا مغالطة عن الاحتجاج الأول !
يقول سبحانه وتعالى: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) (1) ومعلوم أن جبريل وميكال هما من الملائكة المذكورين من قبل ، ولم يمنع ذلك من عطف جبريل وميكال على الملائكة ، لأن عطف الجزء على الكل ، أو عطف الخاص على العام جائز ومعروف في اللغة التي نزل بها القرآن لمعانٍ بلاغية معروفة .
ويقول سبحانه وتعالى: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) (2) .
فالتسبيح المقدم في اللفظ ، هو من مقتضيات الإيمان ، أو من الأعمال المقترنة به ، ولم يمنع ذلك من عطف الإيمان عليه ، لأن عطف الكل المؤخر على الجزء المقدم جائز ومعروف في اللغة لمعانٍ بلاغية .. ولا يقتضي شيء من ذلك المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، لا في المثال الأول ولا المثال الثاني ، بل هما مقترنان اقتران الاحتواء: احتواء أحدهما على الآخر ، أو اقتران العموم بالخصوص .
(1) سورة البقرة [ 98 ] .
(2) سورة غافر [ 7 ] .