وجاء الفكر الصوفي ردّ فعل للترف ، فخلص المتطهرون بأنفسهم من الدنس المستشري في المجتمع المترف ، ولكنهم - من جانب آخر - انعزلوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأفرغوا لا إله إلا الله من جانب مهم من محتواها الحي ..
وأسهم الاستبداد السياسي في إفراغ لا إله إلا الله من محتواها في الجانب ذاته ، حين أصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يغضب المستبدين من ذوي السلطان ، فيفتكون"بالمعارضين"الذين يعترضون على انحرافاتهم وتجاوزاتهم ، فينحسر الناس إلى ذوات أنفسهم ويتحول"الدين"إلى ممارسة فردية ، تركز على الجانب العبادي وحده ، وينحسر عن صورته الجماعية ، أي عن جانبه السياسي بصفة خاصة .. وينفصل ما بين"الدين"و"السياسة"وتصبح السياسة لا علاقه لها بلا إله إلا الله !
ثم يجيء الفكر الإرجائي فيغطي هذا الانحسار كله .. ويقول للناس: إن الإيمان هو التصديق والإقرار !
وحين جاء الغزو الصليبي كانت لا إله إلا الله قد وصلت في نفوس المسلمين إلى حدها الأدنى الذي يحفظ المسلمين في داخل إطار الإسلام ، مع وقوعهم في المعاصي والآثام ، أي في حدود إقامة الصلاة وتحكيم شريعة الله .. وكان انحسارها في نفوس المسلمين إلى ذلك الحد هو الذي جاء بالصليبيين ومكّن لهم في أرض الإسلام ، فما كان لهم أن يغامروا بالمجيء ، وما كان لهم أن يتمكنوا في الأرض ، لو أن المسلمين كانوا على ذكر بمقتضيات لا إله إلا الله ، عاملين بتلك المقتضيات في عالم الواقع . فإن من بين تلك المقتضيات - الكثيرة - إعداد العدة لأعداء الله ، والإنفاق في ذلك السبيل: