فهرس الكتاب
"وكما هو الأمر مع الشيوعية، كذلك كان التهديد والانتصارات (الاسلامية) قائمين في عالم القيم والأفكار أيضا .. فقد كان الهجوم الإسلامى موجها إلى عالم النظريات كما هو موجه إلى عالم الواقع .. وقد عملت العقيدة الجديدة بإصرار على إنكار المبدأ الرئيسى للعقيدة المسيحية، التى كانت بالنسبة لأوربا العقيدة السامية التى أخذت - في بطء - تبنى حولها حضارتها. وكان التهديد الإسلامى موجها بقوة وعنف، وكان ناجحا مكتسحا في نصف العالم المسيحى تقريبا. والإسلام هو القوة الإيجابية الوحيدة التى انتزعت من المسيحيين أناسا دخلوا في الدين الجديد وآمنوا به .. بعشرات الملايين" [1] .
ولكن الصليبية وقد عجزت عن اختراق الحاجز العثمانى في الشرق، بل لم تفكر مجرد تفكير في اقتحامه، اتجهت إلى الالتفاف حول العالم الإسلامى من جهة الغرب، وخاصة بعد اكتشافها لطريق رأس الرجال الصالح.
كان الطريق من أقصى الشرق إلى أوربا عبر رأس الرجاء الصالح معروفا ومحفوظا عند المسلمين، دونوه فىخرائطهم، ودرسوا أحواله الملاحية دراسة دقيقة كما يبدو من كتاب"عجائب الهند"للبيرونى وغيره، ولكن أوربا كانت قابعة في ظلمات قرونها الوسطى المظلمة، لا تعرف عن العالم إلا القليل، ولا تخاطر بركوب بحاره ومحيطاته.
ولكن مجموعة من العوامل المتفاعلة في داخل أوربا دفعتها أخيرا إلى ارتياد البحار المجهولة، وكان من أقوى هذه العوامل الدافع الصليبى، الذى عملت البابوية على تجيعه، متمثلا في متابعة المسلمين بعد طردهم من الأندلس، للاستيلاء على بلادهم وإخضاعها لحكمهم - أن لم يكن طردهم منها كما طردوهم من الأندلس - ومتمثلا كذلك في محاولة انتزاع السيطرة التجارية العالمية منهم وحيازته في أيدهم، لإضعاف المسلمين من جهة، والتقوى على حربهم من جهة أخرى.
ومن أعاجيب ذلك الزمان أن يكون الرائد الذى دل فاسكو داجاما وأعانه على اتمام رحلته هو البحار العربى المسلم"ابن ماجد"الذى أمده بالمعلومات والخرائط، بل قاد بنفسه سفينته نحو جزر الهند الشرقية
غفلة أم قهر .. ؟ لست أدرى
وحين أتم فاسكو داجاما رحلته بمعونة ابن ماجد، قال قولته الشهيرة المفصحة عن الهدف الحقيقى للحرلة، الذى نتغافل نحن عنه حين ندرس الرحلة لأبنائنا بتأثير الغزو الفكرى كما سيجئ، ونزعم لطلابنا أنها كانت رحلة"علمية"قال: الآن طوقنا رقبة الإسلام، ولم يبق إلا جذب الحبل فيختنق ويموت
رحلة صليبية واضحة الأهداف.
(1) ولفرد كانتول سميث, الإسلام في التاريخ الحديث, الطبعة الرابعة سنة 1966, ص105 - 106.