فهرس الكتاب
3 -الغزو الصليبى
بدأت محاولات الغزو الصليبى الحديث في الحقيقة منذ بدايات القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) بعد طرد الإسلام من الأندلس. فحين سقطت آخر دويلة إسلامية في الأندلس - وهى دويلة غرناطة - عام 1942 م بعد معارك وحشية طويلة، بارك البابا الانتصار الصليبى وشجع الصليبين وشجع الصليبيين على متابعة المسلمين لطردهم من بقية بلاد الإسلام
وعلى الرغم من أن المسلمين الذى بقوا في الأندلس قد ظلوا محافظين على إسلامهم سرا ما يقرب من مائتى عام تحت الضغط الوحشى الواقع عليهم من محاكم التفتيش، مما لا مثيل له في الوحشية في التاريخ كله من قبل .. فلم يكن من المتوقع أن يظلوا على إسلامهم بغير قوة تحميهم من البطش .. فتلاشوا تدريجيا حتى انتهوا.
ولم يكن في وسع الصليبية الحاقدة أن تكرر مسيرتها الأولى إلى بيت المقدس من طريق الشق، لأن الدولة العثمانية الفتية لم تكن واقفة لهم بالمرصاد فحسب، بل كانت بكل حيويتها العارمة تتوغل في شرق أوربا بقوة كاسحة لا يقف أمامها شئ. وكانت - كما يقول المستشرق الكندى المعاصر ولفرد كانتول سميث - لا تكتسح الأرض فقط، بل كانت تكتسح العقيدة المسيحية ذاتها، ويدخل أهلها في الإسلام بعشرات الألوف كل عام:
"إلى أن قام كارس ماركس وقامت الشيوعية، كان النبى"-" (يقصد الإسلام) هو التحدى الحقيقى الوحيد للحضارة الغربية الذى واجهته في تاريخها كله، وإنه لمن المهم أن نتذكر كم كان هذا التحدى حقيقيا، وكم كان يبدو في وقت من الأوقات تهديدا خطيرا حقا."
"لقد كان الجوم مباشرا في كلا الميدانين الحربى والعقدى، وكان قويا جدا .. فقد فقدت المسيحية دفعة واحدة"أجمل مقاطعات الإمبراطورية الرومانية"لتتسلمها منها القوة الجديدة، وكانت في خطر من ضياع الإمبراطورية بكاملها. وعلى الرغم من أن القسطنطينية لم تقع - تماما - في يد الجيوش العربية كما وقعت مصر وسوريا، فقد استمر الضغط عليها فترة طويلة. وفى موجة التوسع الثانية وقعت القسطنطينية بالفعل سنة 1453، وفى قلب أوربا المفزعة ذاتها أحاط الحصار بفيينا سنة 1529، بينما ظل الزخف وقت قريب لم يتطاول عليه العهد في سنة 1683، وإن وقوع تشيكو سلوفاكيا في قبضة الشيوعية عام 1948 لم يكن له قط في العصر الحديث ذلك الفزع في نفوس الغرب المتهيب، كما كان لذلك الزحف المستمر قرنا بعد قرن، من تلك القوة الضخمة المهددة، التى لا تكف ولا تهدأ، ويتكرر انتصارها مرة بعد مرة."