فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 436

بهذا التخطيط الخبيث أحكم دنلوب قبضته الصليبية على الأجيال.

فلم تكن المسألة إفساد جيل بعينه يذهب ويذهب معه فساده. إنما كان الهدف ضمان سريان السم في الأجيال المتعاقبة، لكيلا يخرج جيل يفكر في العودة إلى الإسلام!

ومن طريق معمل التفريخ الضخم الذى أقامه، ضمن الدورة الكاملة للسم. ضمن الأستاذ والتلميذ .. الأستاذ الذى سيصب التلاميذ في القالب المطلوب والتلاميذ الذين سينشأون في داخل القالب لا يقاومون نشأتهم فيه.

ولكن التخطيط مع ذلك لم يكتف بتلك الدورة المتكاملة، التى تدور دورة كاملة مع كل جيل جديد، بل كان أشد خبثا وأشد إحكاما فمد الخيوط إلى مدى أبعد!

فإذا كان المدرس العادى قد صب في القالب فانصب، وسلط على النشئ ليصبه من جديد في نفس القالب، فإن المدرس"الممتاز".. وناهيك"بامتيازه"يكافأ على امتيازه هذا مكافأة إضافية، ليستفاد منه على نطاق أخطر،، فيبتعث إلى انجلترا ليصاغ من جديد صياغة أدق!

صحيح أن"الخواجات"هنا قد قاموا"بالواجب"على نحو المطلوب .. ولكن فرق بين أن تظل في بلدك - وإن صاغك الخواجات - متأثر ببعض تقاليدها، وأفكارها، وعقائدها .. وبين أن"تستنبت"من جديد في أرض الخواجات أنفسهم! فتصبح كأنك خواجة بالفعل، بدلا من أن تكون مصريا متأثر بالخواجات فحسب! بل إنك قد تعود ملكيا أكثر من الملك، فتقوم بالدور المطلوب بأعنف مما كان الخواجات أنفسهم يفعلون!

فإذا عاد أولئك المتبعثون وقد صاروا خلقا آخر، ممسوخا كل المسخ، لا يعرف دينه ولا لغته ولا قومه، وينظر إلى ذلك كله بازدراء شامل .. فهناك يوضعون في مراكز التوجيه، ليكون أثرهم في الإفساد أشمل وأوسع، حتى إذا صار أحدهم في نهاية المطاف وزير للمعارف أو وكيلا للوزارة، حطم من مقدسات قومه ما لم يكن يجروء دنلوب نفسه أن يفعل .. فدنلوب - كما خطط لنفسه أو خطط له سيده الذى استخدمه ليقوم بدوره - يحافظ على المظاهر الزائفة"منعا من إثارة الشكوك"أما هذا الثور الهائج فلا يتبقى شيئا ولا يحقل بشئ!!

وفى وسط هذه الدورة الخبيثة يظل مدرس اللغة العربية (ومدرس الدين) يبعد عن الطريق، ويداس بالأقدام، يسبقه غيره على الدوام، ولا يتولى وظيفة واحدة من وظائف التوجيه، فيظل صوته يخفت ويخفت حتى لا يسمعه أحد من الناس، ويظل الآخرون يبروزن حتى تصبح أيديهم صدارة"المجتمع الجديد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت