فهرس الكتاب
وقرر حقوق الإنسان، ورفع من قيمة الكرامة الإنسانية بتقرير مبدأ الحرية الشخصية التى كانت مهدرة في ظل السيطرة الدينية ..
وما كان الطلاب يومئذ يملكون الرد على التحدى. وما كانوا يملكون - في هزيمتهم الداخلية المبهورة بما عند الغرب، ورهبتهم من الاحتلال العسكرى الجاثم على أرضهم، ورهبتهم من"الخواجة"الذى يجرعهم ذلك السم ما كانون يملوكن المعرفة التى يردون بها على التحدى، حتى لو بقيت لهم نفوس ترغب في الرد!
هل كان في إمكانهم يومئذ أن يدركوا أن التخلف الذى أصابهم، والذى يعيرهم به"الخواجة"وينفذ منه لمهاجمة عقيدتهم ودينهم وتقاليدهم، لم يكن سببه الإسلام، وإنما كان سببه التخلف العقدى الذى أبعد الأمة عن حقيقة الإسلام.
وهل كان في إمكانهم يومئذ أن ينفذوا إلى حقيقة الحضارة الغربية فيعرفوا جوانب قوتها وجوانب ضعفها، ويدركوا أن الدين الذى حطمته أوربا لتتقدم وتتحضر كان دينا زائفا من صنع الكنيسة، وكان جديا بالتحطيم بالفعل لأنه عائق عن الحياة وعن التقدم وعن عمارة الأرض، ولكن الحياة بلا دين من جانب آخر مفسدة لا تقل عن مفسدة الدين الزائف إن لم تكن أشد، وأنها تعرض هذه الحضارة في النهاية إلى الانهيار؟!
كلا! ما كان في طوقهم يومئذ أن يدركوا شيئا من ذلك كله، حتى لو أوجعهم تبكيت الخواجة لهم، وتعييره إياهم، ونسبته كل ما في حياتهم من سوء إلى الإسلام!
وإذ لم يكن في طوقهم أن يدركوا شيئا من ذلك، فقد كان المتوقع لهم وهو ما حدث بالفعل أن يتأثروا بالسموم التى تقدم لهم، وينصبوا في القالب الذى وضع لهم بلا مقاومة تذكر، أو بلا مقاومة على الإطلاق!
وهل كان"الخواجات"من مدير وأساتذة سيسكتون على واحد من الطلاب لو وجدوا فيه شيئا من المقاومة لأهدافهم! كلا ولا شك! ولكنا لم نسمع على أى حال أن واحدا من الطلاب قد قاوم، وفصل لأنه قاوم!
فإذا انتهت سنوات الدراسة الأربع في مثل هذا الجو وهذا التوجيه، فقد ضمن الخواجات أن"فراخهم"التى أنتجوها فى"معمل التفريخ"، والتى ستخرج لتتولى تربية جيل جديد من النشئ، ستقوم بالدور المطلوب تلقائيا بغير حاجة إلى توجيه جديد، فقد انطبعت نفوسها بما يراد طبعها به، وصارت"تتقيأ"تلقائيا ما سكب في كيانها من السم، ولكن لا لتتخلص منه وتفئ إلى صحتها كما يفعل الإنسان السوى حين يتناول السم، بل لتطعمه فراخا جديدة صغيرة السن، لا تدرك شيئا مما حولها، بل تلتقط كل ما يوضع أمامها بلا تمييز ولا قدرة على التمييز!