فهرس الكتاب
كانت المدرسة تقع في حى"المنيرة" [1] على بعد دقائق معدودة من ثكنات جيش الاحتلال في قصر النيل [2] وكان الأساتذة الإنجليز لا يدخلون على طلابهم في الحقيقة بوصفهم أساتذة فحسب! بل بوصفهم قوة الاحتلال القاهرة التى جاءت لتقهر نفوس هؤلاء الطلاب وتشعرهم بالضآلة والدونية إزار"الرجل الأبيض"العظيم الذى وضعته العناية الإلهية"على رأس هذه البلاد [3] هذا هو المعنى الظاهر الذى كان يتعمد أولئك"الأساتذة"إظهاره. أما المعنى الخفى - وهو القهر الصليبيى للمسلمين - فهذا لم يكونوا يصرحون به، ولكنه ينبث - واضحا - في كل مناسبة وفى كل توجيه."
وأيا كان الأمر فقد كان أولئك"الأساتذة"يمثلون في نفوس الطلاب شيئا مرهوبا لا يقاوم، بل حسب الطالب منهم أن يتحاشى فتكاته المتوقعة في أية لحظة، ولكنه لا يحس بالأمن الحقيقى لحظة واحدة حتى ينتهى من دراسته ويتخرج. فإذا تخرج فالرهبة من"الخواجة"لا تغادر قلبه، وإن أخذت صورا متعددة متجددة في حياته العملية!
وفى جو الرهبة العام يتلقى الطلاب جرعات السموم ..
هل يملك أحد أن يمتنع عن تناولها؟ بل هل يملك أحد أن يمتنع عن التأثر بها حتى لو أراد؟
جرعات السم هنا واضحة .. والتلقين مباشر ..
إن ما بكم من تخلف سببه الإسلام! الدين كله يسبب التخلف، ولكن الإسلام بصفة خاصة يعمل على التخلف أكثر من أى دين!! ستظلون متأخرين طالما بقيتم متمسكين بالإسلام! لن تتقدموا إلا إذا تخلصتم من عقلية القرون الوسطى التى كانت تعتبر الدين أساس الحياة! أساس الحياة اليوم هو العلم وليس الدين .. !
وهذا إلى جانب التلقين غير المباشر ..
لقد كانت أوربا في العصور الوسطى المظلمة خاضعة لسلطان الدين، فكانت جاهلة متأخرة جامدة، وحين نبذت الدين تقدمت وتحضرت وتعلمت وأوتيت كل وسائل القوة والتمكن. كان الدين حاجزا عن العلم لأنه مجموعة من الخرافات. وحاجزا عن العمل والنشاط والإنتاج لأنه ينظر إلى الآخرة ويهمل الدنيا. كان لابد من تحطيمه للقضاء على الخرافة، والاستمتاع بالحياة على الأرض الفكر الإنسانى الحر هو الذى تصدى بجرأة لتحطيمك الخرافة، ووصل إلى التقدم الرائع الذى تمارسه أوربا اليوم. هو الذى قرر الديمقراطية،
(1) في مكان كلية تجارة القاهرة في الوقت الحاضر.
(2) في مكان فندق الهليتون بميدان"التحرير!"في الوقت الحاضر.
(3) راجع كلام كرومر قبل صفحات.