فهرس الكتاب
إنما يأتى التقويم من ضغط الناس على حكامهم وهم كارهون! وأقصى ما يمدح به حاكم في القديم أو الحديث أن يستجيب لضغط الناس ويقبل أن يلتزم حين يلزم! أما أن يدعوهم إلى تقويمه فتلك من أخلاقيات لا إله إلا الله في عالم السياسة لا يقدر عليها إلا ذلك الجيل الفريد.
ولقد قال عمر رضى الله عنه لرعيته ذات يوم: إن وجدتم في اعوجاجا فقومونى! فقال له سلمان: والله لو جدنا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف! فلم يغضب رضى الله عنه وإنما قال الحمد لله الذى جعل في رعية عمر من يقومه بحد سيفه! وتلك كذلك من اخلاقيات لا إله إلا الله في عالم السياسةى لا يقدر عليها إلا ذلك الجيل الفريد!
وقال أبو بكر رضى الله عنه في بيان سياسته: الضعيف فيكم قوى عندى حجتى آخذ له الحق ن والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه. ولم تكن تلك شعارات تلقى على الجماهير لتلهيتها أو اللعب بمشاعرها. إنما كانت نبراسا حقيقيا يلتزم به وكانت تلك هى أخلاقيات السياسة الملتزمة بلا إله إلا الله لا تحابى أحدا لأنه قوى ولا تظلم أحدا لأنه ضعيف.
وسافر عمر إلى بيت المقدس ليتسلم مفتاحها من البطريق الذى أصر على أن يسلم المفتاح لعمر بنفسه.
ولم تكن هناك وفرة من الدواب تسمح لعمر وخادمه أن يركب كلاهما فقرر عمر أن يتناوبا الركوب والمشى دواليك يركب عمر مرة ويسير خلفه خادمه ويركب الخادم مرة ويسير خلفه عمر. حتى إذا دخلا بيت المقدس كان الدور للخادم في الركوب فأصر عمر على أن يأخذ الخادم دوره وأن يسير عمر خلفه ودخلا المدينة على هذا النكو والناس يظنون بحكم جميع الأعراض الأرضية أن الخليفة هو الراكب وأن تابعه هو الذى يسير على قدميه! حتى عرفوا الحقيقة فأذهلتهم!
يقول رسول الله - لجنوده وهم ذاهبون إلى محاربة الكفار الذين لايرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة"اغزوا باسم الله في سبيل الله. قاتلو من كفر بالله. اغزوا ولا تغدروا ولا تمثلو. ولا تقتلوا وليدا ولا شيخا ولا امرأة" [1] .
فيضع بذلك الدستور الأخلاقى للحرب التى يظن الناس - في الجاهلية المعاصرة خاصة - أنه لا علاقة لها بالأخلاق!
(1) أخرجه مسلم.