فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 436

ويلى الأمر أبو بكر رضى الله عنه فيوصى جنده ذات الوصاية وهو يحاربون المرتدين الذين نكلوا عن أمر الله.

ويقع القتال بين على كرم الله وجه وبين مناوئيه ويقع قتلى من هنا ومن هناك فإذا حل الظلام ووقفت الحرب قام على كرم الله وجه يصلى على قتلى الفريقين! ويسلم أعداءه قتلاهم ليدفنوهم!

ويخرج الخوارج عليه فيقول قوم من أصحابه أنهم كفار .. فيأبى على كرم الله وجهه ويقول: إنما هو إخواننا بغوا علينا!

تلك أخلاقيات - في الحرب - لا يقدر عليها إلا أهل لا إله إلا الله.

فى معركة أحد حين وقعت الهزيمة بعد النصر ووقع من المسلمين سبعون شهيدا فيهم سيد الشهداء حمزة مر أحد المسلمين على جريح ينزع فناوله كأس ماء لعله يسترد أنفاسه فقال الجريح بل أعطها لأخى فلان هناك فذهب إلى الثانى يعرض عليه الماء فقال أعطها لأخى فلان هناك فتركه إلى الثالث والرابع والخامس كل يقول ذات القولة ويؤثر أخاه على نفسه في نزع الموت فلما كان الخامس رده إلى الأول فلما عاد إليه إذا هو قد لفظ أنفاسه فعاد إلى الثانى فإذ هو قد لفظ أنفاسه فعاد إلى الثالث فالرابع فالخامس فإذا كلهم قد ذهبوا شهداء لم يرض واحد منهم حتى لحظة الموت أن يؤثر نفسه على أخيه!

أى أخلاقيات هذه؟ كيف نجد لها وصفا في مصطلحات اللغات؟

وليس هدفنا أن نسود الصفحات بذكر المستويات الأخلاقية الرفيعة لذلك الجيل الفريد فكتب السير وكتب التاريخ عامرة بنماذج عجيبة في كل اتجاه.

وإنما هدفنا أن نسدل ذلك الارتباط الوثيق في حس ذلك الجيل بين حقيقة الإيمان وبين القيم الخلقية التى يشتمل عليها هذا الدين.

ولم يكن ذلك اجتهادا خاصا بهم فتجد الأجيال التالية نفسها معفاه منه ولا كان ذلك - من حيث المبدأ - امتيازا خاصا بهم تنسلخ منه الأجيال التالية بلا تحرج!

إنما كان ذلك - في حسهم وفى حقيقة الواقع - هو الدين لأن الله قال لهم إن المؤمنين هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وكذلك علمهم الرسول - فتعلموا منه أن"الدين المعاملة"فلم يكن في حسهم - ولا في حقيقة الواقع - إن الإنسان يمكن أن يكون مؤمنا دون أن يعمل بأعمال هذا الدين. إنما كان في حسهم - كما هو في الواقع - ان الناس يتفاوتون في حقيقة إيمانهم بمقدار ما يتفاوتون في العمل بمقتضى هذا الدين. وكان امتيازهم الذى اختصوا به أنهم أرادوا أن يعملوا من أعمال هذا الدين ما وسعهم العمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت