فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 436

وعشرات من الأمور تقطع بأن العلم الذى هو"فريضة"ليس هو العلم الشرعى وحده إنما هو كل علم نافع. إنما يختلف الأمر بين علم وعلم فيكون أحدهما فرض عين والآخر فرض كفاية ولكنه في جميع الأحوال"فريضة"كما قال رسول الله - بحق.

وحيث يكون العلم في الإسلام على هذا النحو تنتج عن ذلك نتائج مهمة في حياة البشرية.

ينتج أولا: أن العلم لا يمكن أن يكون عدوا للعقيدة ولا عدوا للدين.

إن العلم والدين كلاهما نزعة فطرية في كيان الإنسان. والنزعتان - في الفطرة السليمة - أصيلتان ومتكاملتان ومتعاونتان في تحقيق الوجود الصحيح للإنسان.

فتوجه الفطرة لخالقها بالعبادة فطرة [1] :

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [سورة الأعراف 7/ 172] .

والرغبة فى"المعرفة"والرغبة في التفاعل مع الكون المادى واستخدام ثمار المعرفة في تيسير الحياة وتحسينها وتجميلها فطرة كذلك. فالإنسان مفطور على حب"المتاع"وعلى السعى إلى تحسين وسائل المتاع حتى ترتفع من الضرورات إلى الحاجيات إلى الزينة.

فما الذى يجعل إحدى النزعتين في موقف الحرب والتضاد مع النزعة الأخرى؟

إنما فعلت الجاهلية الحديثة ذلك في أوروبا لأن الدين الممسوح الذى قدمته الكنيسة كان يحارب العلم ويضطهد العلماء ويحرقهم أحياء في الأفران لأنهم نادوا بحقائق علمية على غير هوى الكنيسة. فكان رد الفعل الجاهلى هو نبد الدين جملة - بدلا من تصحيحه - وجعل العلم منابذا للدين.

ولكن ذلك لم يكن هو السبب الأوحد في الحقيقة.

فإن أوربا حين نزعت عنها لباس الدين علماؤها ومفكروها أولا ثم جماهيرها ودهماؤها بعد ذلك رجعت إلى التراث الإغريقى الرومانى تستمد منه مناهج حياتها الجديدة .. فانبعث فيها من الجاهلية الإغريقية ذلك العداء القديم بين"الإنسان"وبين"الله".

إن الأساطير الإغريقية تصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة خصام وعناد وشر: الآلهة تريد أن تسحق الإنسان لكى لا ينافسها وضعها"الإلهى"! والإنسان متمرد على الآلهة يحاول عصيانها ليثبت وجوده وفاعليته!

وأسطورة بروميثيوس بصفة خاصة تصور هذا العلاقة أدق تصوير.

تقول الأسطورة إن كبير الآلهة"زيوس"خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض [2] ثم سواه على النار المقدسة التى ترمز إلى المعرفة ثم أطلقه في الأرض وحيدا تحيط به الظلمات. فأشفق عليه كائن أسطورى يسمى"بروميثيوس"فسرق له النار المقدسة من الإله زيوس لتنير له ما حوله. وهنا غضب الإله غضبة عظيمة (وإن كان قد عجز عن استرداد النار المقدسة مرة أخرى!) فوكل ببروميثيوس نسرا يأكل كبده طول النهار ثم تنبه له كبد جديدة في الليل فيأكلها النسر بالنهار وهكذا في عذاب أبدى. أما الإنسان الذى استضاء بنور المعرفة فأصبح يحمل بعض خصائص الآلهة - فقد أرسل زيوس إليه بامرأة (ترمز إلى حواء) وأرسل معها صندوقا هدية .. فما فتح الصندوق إذا هو مملوء بالشرور فقفزت من الصندوق وتناثرت على وجه الأرض .. وكان هذا هو انتقام"الإله"من"الإنسان"!

على هذا النحو تقوم العلاقة بين الإنسان وبين الله. علاقة خصام وعناد لا تعمرها مودة ولا يظللها حب.

وفى ظل هذه العلاقة تكون"المعرفة"التى يحصل عليها الإنسان غصبا مغتصبا من الآلهة لا كسبا مرضيا عنه منهم.

وتظل الجاهلية تؤجج البغض في هذه العلاقة وتباعد بين الدين والعلم حتى يصبح الأمر في حسها كما يقول الكاتب الملحد"جوليان هكسلى"فى كتابه"الإنسان في العالم الحديث": إن الإنسان كان يخضع لله في عصر الجهل والعجز أما الآن وقد تعلم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يحمل على عاتق نفسه ما كان من قبل في عصر الجهل والعجز يلقيه على عاتق الله ومن ثم يصبح هو الله!

وأيا كانت أعذار الجاهلية أو مبرراتها فقد ارتكبت جريمة ضخمة في حق الإنسان - على الرغم من كل تقدمها العلمى - حيث فصلت بين نزعتين فطريتين أصيلتين متعاونتين نزعة العبادة ونزعة المعرفة ووضعتهما في موقف التقابل والتضاد ومزقت الإنسان - من ثم - بين نزعتيه الفطريتين وبين حاجتيه الفطريتين فحرمت عليه إحداهما إذا أراد الأخرى وأشقته وأضلته بالتقدم العلمى رغم كل التيسيرات التى قدمها العلم للإنسان في عصره الحديث واستخدمت العلم - متعمدة - في محاربة العقيدة بترويج أضاليل ليس لها وجود حقيقى ولا مدلول علمى كالطبيعة الخالقة التى قال عنها دارون إنها"تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق"! وكالمادة الأزلية الأبدية التى زعمها الماديون بغير برهان علمى [3] وكالأنباء التى

(1) انظر - إن شئت - فصل"الإلحاد"من كتاب"مفاهيم فكرية معاصرة".

(2) انظر كيف تأخذ الأسطورة جانبا من الحقيقة ثم تشوهها!.

(3) ثبت لدي العلماء الآن أن الكون حادث, وأنه وجد بعد عدم, فليس أزليًا, كما يقول العلماء إنه صائر إلي الزوال فليس أبديًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت