الصفحة 122 من 152

أي أن مجاهدًا يرى الآية تشمل المغانم الكثيرة التي أخذها المجاهدون من الكافرين زمن التابعين.

وإذا كان مجاهد رحمه الله عمم الآية لتشمل عصره، فإننا نعمم الآية لتشمل ما بعد عصر التابعين، ونطبّقها على جميع المغانم التي أخذها المجاهدون من الكافرين، على اختلاف الزمان والمكان.

ولذلك اعتبرناها وعدًا قرآنيًا بانتصار المسلمين، وأخذهم الغنائم من الكافرين، وأن هذا الوعد تحقق في الفتوحات الإسلامية اللاحقة!.

ما هو المراد بالغنائم المعجلة؟:

أما قوله تعالى: (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) فهو يشير إلى معركة قريبة، خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية، وأخذ فيها الغنائم من المشركين.

وذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى أن المراد بها صلح الحديبية، الذي جعله الله فتحًا مبينًا، بدليل قوله بعدها: (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ) .

ومال ابن كثير إلى ترجيح قول ابن عباس، وجعل الآية وعدًا بأخذ الغنائم من الكفار، وجعل صلح الحديبية غنيمة معجّلة للمسلمين، لما نتج عن الصلح من فوائد عظيمة للمسلمين. قال: (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ) . أي: لم ينلكم سوء، مما كان أعداؤكم أضمروه لكم، من المحاربة والقتال، وكذلك كف أيدي الناس عنكم، الذين خلّفتموهم وراء ظهوركم، عن عيالكم وحريمكم (وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ) أي: يعتبرون بذلك، فإن الله حافظهم، وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العالم بعواقب الأمور، وأن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين، وإن كرهوه في الظاهر. [تفسير ابن كثير: 4/ 185] .

واسم الإشارة (هَذِهِ) في الجملة: (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) يعود على (مَغَانِمَ) في الجملة السابقة: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا) والمعنى: وعدكم الله أخذ مغانم كثيرة، فعجّل لكم هذه الغنيمة التي أخذتموها في صلح الحديبية، لأن صلح الحديبية كان تمهيدًا لفتح مكة بعد أقل من سنتين.

الله أحاط بالكفار أينما كانوا:

وعد الله المؤمنين مغانم أخرى كثيرة قادمة، وذلك في قوله بعد ذلك (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) .

وقد ذهب ابن عباس والضحاك، وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد إلى أن المراد بها فتح خيبر وأخذ غنائمها. وهذا هو الراجح والله أعلم.

فقد كانت خيبر حصنًا منيعًا لليهود، وتجمّع فيه اليهود الذين أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن المدينة، كيهود بني قينقاع ويهود بني النضير، وكانت خيبر أقوى حصون اليهود وأكثرها مناعة، ولذلك قال الله عنها: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا) .

وتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خيبر بالصحابة، الذين حضروا صلح الحديبية، وحاصر اليهود فيها، وافتتحها في شهر محرم من السنة السابعة، بعد شهرين من صلح الحديبية، وغنم فيها المسلمون غنائم كثيرة من اليهود.

وبذلك حقق الله للمسلمين هذا الوعد، بعد شهرين من إخبارهم به.

سنة الله في الكفار لا تتخلف:

وأخبر الله الصحابة المبايعين بيعة الرضوان في الحديبية، أنه لو قاتلهم كفار قريش في الحديبية لانهزموا أمامهم، لأن هذه هي سنة الله: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت