الصفحة 123 من 152

سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير، أنه لا ينتصر الكفار على المؤمنين، لأن الله ينصر عباده المجاهدين الصادقين، فإذا ما انتصر الكفار في معركة أو جولة، فلأن المسلمين أخلّوا بشروط النصر، ولم يقوموا بما أوجبه الله عليهم.

الخطاب في قوله: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ) للصحابة، الذين بايعوا بيعة الرضوان في الحديبية، فلو قاتلهم كفار قريش على أرض الحديبية لولوا الأدبار أمامهم، رغم أن الكفار كانوا أكثر عددًا وعُدّة منهم، لأن الصحابة لم يخرجوا لقتال، وإنما خرجوا لأداء العمرة، ومع ذلك لو حصل قتال في الحديبية لنصر الله المؤمنين، لأن هذه هي سنة الله.

رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم بأدائه العمرة:

ثالثًا: قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) [الفتح: 27 - 28] .

تخبر الآية عن سبب توجه الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى مكة، لأداء العمرة.

قال الإمام الحافظ ابن كثير:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسّر هذا العام .. فلما وقع ما وقع من قضية الصلح رجعوا عامهم ذلك، على أن يعودوا من قابِل، وقع في نفس بعض الصحابة رضي الله عنهم من ذلك شيء."

حتى سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: ألم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟.

فقال صلى الله عليه وسلم:"بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟".

قال عمر: لا.

قال صلى الله عليه وسلم:"فإنك آتيه ومُطَوَّف به".

وبهذا أجاب أبو بكر الصديق عمر رضي الله عنهما، حَذْو القُذّة بالقُذّة ..

[تفسير ابن كثير: 4/ 194] .

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام أنه ذاهب مع أصحابه لأداء العمرة، وأخبر الصحابة بذلك، ففرحوا واستبشروا، لأنهم في شوق كبير لمكة والكعبة والمسجد الحرام.

ولما توجه في السنة السادسة بأصحابه لأداء العمرة، ما كانوا يشكون أنهم سوف يؤدون العمرة في هذا السير.

ولكن قريشًا منعتهم من تحقيق ذلك، وجرت مفاوضات شاقة على أرض الحديبية، انتهت بتوقيع صلح الحديبية، واعتبر كثير من الصحابة أنفسهم مغلوبين في بنود الصلح، واعترض بعضهم عليه، كعمر رضي الله عنه.

وكان من بنود الصلح أن يعود المسلمون هذا العام إلى المدينة، وأن يأتوا في العام القادم لأداء العمرة.

وكلّم عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حول رؤياه، وإخباره أنهم سيأتون البيت الحرام ويؤدون العمرة، فطمأنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سيكون، وأنه لم يحدد له أنه سيكون في هذا العام! ولما ذهب عمر إلى أبي بكر رضي الله عنهما، وكلمه عن الرؤيا والوعد، كان جوابه نفس جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأنزل الله الآية في طريق عودة المسلمين للمدينة، يؤكد على تحقق الوعد وأداء العمرة.

(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) : أرى الله رسوله صلى الله عليه وسلم في المنام أنه ذاهب إلى البيت الحرام مع أصحابه، ورؤيا الأنبياء حق، لأنه لا سلطان للشيطان عليهم، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوقن أن هذه الرؤيا ستتحقق، ولذلك بشّر أصحابه بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت