ولكن جرى ما جرى في أرض الحديبية، مما جعل الرؤيا لم تتحقق في السنة السادسة، وتساءل بعض الصحابة عن الرؤيا، كعمر رضي الله عنه، فكان إنزال هذه الآية لتقرير حقيقة صدق وعد الله، الذي جاء بصورة رؤيا لرسوله صلى الله عليه وسلم.
تحقق الوعد في عمرة القضاء:
صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، وقدّر تحققها، لكن في الزمان الذي يحدده هو، وبالكيفية التي يريدها هو، وهو الحكيم العليم، سبحانه وتعالى.
ولذلك جاء التأكيد على أداء العمرة في مستقبل قريب، بأفعال وكلمات محددة حاسمة جازمة: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) .
اللام في فعل: (لَتَدْخُلُنَّ) لام القسم للتأكيد، ونون التوكيد الثقيلة فيه للتوكيد، والخطاب للصحابة الذين توجهوا للعمرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة، فحال المشركون بينهم وبين أدائها.
وجملة: (إِن شَاء اللَّهُ) في الآية لتوكيد الخبر، وتحقق الوعد الذي فيه، وهي ليست للاستثناء، بمعنى أن الله شاء دخولكم المسجد الحرام، ولذلك ستدخلونه لا محالة، لأن الله الحكيم شاء ذلك، ولا رادّ لمشيئته.
وذكرت الآية حال المؤمنين عند اعتمارهم: (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) . فهم سيكونون آمنين عند أداء العمرة، لا يخافون أعداءهم المشركين، ومنهم من سيحلق رأسه كاملًا، ومنهم من سيقصّر شعره تقصيرًا، ولا شك أن الحلق أفضل من التقصير عند أداء مناسك الحج أو العمرة.
بين الفتخ المبين والفتح القريب:
وختمت الآية بقوله تعالى: (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) أي: أن الله علم أن الأفضل والأصلح لكم هو عدم أدائكم العمرة هذا العام، وعقد صح الحديبية بينكم وبين المشركين، وهذا الصلح وما يتحقق لكم فيه من مكاسب ونتائج، أولى من أدائكم العمرة، فهذا الصلح فتح من الله فتحه عليكم.
الآية الأولى من السورة اعتبرت صلح الحديبية فتحًا مبينًا: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) . وهذه الآية اعتبرته فتحًا قريبًا: (فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) .
وقد أشارت إحدى آيات السورة إلى حكمة الله في منع الاشتباك بين المسلمين والمشركين على أرض الحديبية. قال تعالى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح: 25] .
بين علم الله وعلم البشر:
إن قوله تعالى: (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا) يقرر حقيقة قرآنية، هي: قصور العلم البشري ونقْصُه، فمهما علم الناس فإنهم لا يحيطون علمًا بالمسألة المعروضة، ولا يعلمون كل تفصيلاتها وخفاياها، أما المستقبل فإنهم لا يعلمون عنه شيئًا، لأنه غيب اختص الله بعلمه.
وهذا القصور والنقص والجهل في العلم البشري، قد يدفعهم إلى محبة أو تفضيل أو اختيار ما ليس في مصلحتهم، أما رب العالمين فإنه يختار لهم ما فيه مصلحتهم.
ولذلك لما شرع الله القتال وكلّف المسلمين به أشار إلى هذه الحقيقة. قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216] .