وفي حادثة صلح الحديبية، كانت رغبة المسلمين في عدم عقد الصلح مع المشركين، بالشروط التي رأوها مجحفة، وكانوا يرون أداء العمرة هذا العام، أو الاشتباك مع المشركين، ويظنون أن مصلحتهم تتحقق بذلك.
لكن الله العليم الحكيم اختار ما فيه مصلحتهم، وتم عقد الصلح، الذي هو فتح قريب، ولكنهم لا يعلمون ذلك: (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) .
الوعد بإظهار الإسلام على الدين كله:
وتقرير هذه الحقيقة فرصة مناسبة لقطع وعد قرآني صادق، بأن المستقبل الباهر للإسلام. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) .
أرسل الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى، ودينه الإسلام هو الدين الحق، وهذا معناه أن الهدى مقصور على الإسلام، رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ما تعارض معه فهو ضلال، والإسلام نور، وكل ما تعارض معه فهو ظلام.
والإسلام هو الدين الحق، لأن الله حفظه وأنزله، فلا خطأ فيه ولا باطل ولا ضلال، يأخذه المسلم بكامله، وهو واثق مطمئن إلى أنه يأخذ الحق ويلتزم به .. وكل ما تناقض معه من الأديان والأفكار والمذاهب فهو باطل، ولا يقود إلا إلى الضلال والضياع.
وبما أن الهدى في الإسلام وحده، وبما أنه هو الدين الحق، فإن حاجة البشرية إليه ماسّة، لأنها تتخبط في ظلمات الجهل والعمى والضلال، ولذلك قدّر الله أن ينصر هذا الدين، وأن يُظهره على كلما سواه من الأديان والمبادئ: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) .
ووجه صلة الوعد الصادق بالحديث عن أجواء صلح الحديبية، هي أن الصلح نفسه خطوة متقدمة على طريق تحقيق هذا الوعد، لأن الصلح فتح قريب، وفتح مبين، ونصر عزيز، كما صرحت بذلك آيات السورة الصريحة، وقد نتج عن هذا الصلح فتح خيبر بعده مباشرة، والقضاء على النفوذ اليهودي في الجزيرة العربية، وهذه خطوة أخرى متقدمة على طريق تحقيق الوعد، وبعد أقل من سنتين من عقد الصلح تم فتح مكة، والقضاء على آخر قلاع الشرك فيها، وهذه خطوة ثالثة كذلك، ولذلك جاء الوعد صريحًا في سياق الحديث عن صلح الحديبية.
وأظهر الله الإسلام على كل الأديان والمذاهب التي كانت في الجزيرة العربية، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأظهره الله على الأديان والمذاهب في المنطقة كلها، في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وانتشر الإسلام في كل العالم المعروف في ذلك الزمان! واستقر في البلاد الإسلامية من الفلبين إلى المغرب!.
وما زال هذا الوعد القرآني الصادق متحققًا في أيامنا، وما زال الإسلام ظاهرًا ظهورًا معنويًا إعلاميًا فكريًا على الأديان كلها، في العالم كله، رغم انحسار وجوده المادي، ونفوذه السياسي، وما زال ينتظر الإسلام مستقبل مشرق، فيه ظهور له متكامل.