الصفحة 129 من 152

العامل الثاني: العامل البشري: الذي يجري الله على يديه إرادته، فيكون الرسل وأتباعهم المجاهدون ستارًا لقدر الله، هم يأخذون بالأسباب، ويبذلون جهدهم، ويحاربون أعداءهم، ويتوكلون على الله، وينتظرون النصر منه. ويمثله في الآية كلمة (رُسُلِي) المعطوفة على ضمير (أَنَا) .

إنه لا بد من توفر المجاهدين، في أي معركة بين الحق والباطل، يرغب فيها أهل الحق بالانتصار على أهل الباطل.

وهذا معناه: أنه لا نصر إلا بوجود مؤمنين صالحين، مجاهدين في سبيل الله، يأخذون بالأسباب، ويحققون شروط النصر. إن الله لا ينصر مسلمين مرتكبين للمعاصي، ولا ينصر مسلمين حالمين عاجزين كسالى، ولا ينصر مسلمين قاعدين عن الاستعداد للجهاد!.

ولا بد من ملاحظة العاملَيْن المتلازمين للنصر: العامل الرباني والعامل البشري المعتمد عليه، المذكورين في قوله: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) .

الله الغالب القوي العزيز:

واللطيف في التعبير القرآني أن الآية الواعدة بالغلبة والنصر خُتِمَت بذكر اسمين عظيمين من أسماء الله: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) .

وهذه الخاتمة متناسبة مع موضوع الآية. الله قوي: أي: هو الغالب القاهر، قوته مطلقة، لا يعتريه ضعف أو عجز سبحانه .. والله عزير: أي هو المنتصر سبحانه، صاحب العزة والغلبة، لا تغلبُه أية قوة مهما عظمت، ولا يذِلُّ أو يضعف سبحانه، وهو الذي يمن بالعزة على أوليائه وجنوده.

وبما أن موضوع الآية هو الوعد بالغلبة والانتصار والتمكين، لذلك ناسب أن تختم بهذين الاسمين: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) . ومعلوم أن خاتمة كل آية متناسبة دائمًا في موضوعها!.

الله الغالب لأعدائه، الناصر لأوليائه، وهذه حقيقة قرآنية بينة، ووعد قرآني صادق. أكدتها آيات عديدة. منها قوله تعالى: (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21] .

ومنها قوله تعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) [آل عمران: 160] .

وأعداء هذا الدين مغلوبون مهزومون خاسرون، لا تنفعهم قوتهم أمام قوة الله. وقد أكدت هذه الحقيقة آيات عديدة، منها قوله تعالى: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [آل عمران: 12] .

وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) [الأنفال: 36] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت