ومفرد (الأذلين) هو: الأذل، وهو من تمكنت منه الذلة والمسكنة والهوان، والأذل هو كل كافر يحاد الله ورسوله.
الجمع بين كبت الكفار وذلهم:
ويلاحظ أن سورة المجادلة تحدثت مرتين عن ذل وكبت الذين يحادون الله ورسوله:
قالت في المرة الأولى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) .
وقالت في المرة الثانية: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ) .
وليس هذا تكرارًا، لأنه لا تكرار في القرآن، وإنما هو (تنويع) في العرض القرآني، والتنويع قائم على إضافة معنى جديد في المرة الثانية.
في الآية الأولى إخبار عن كبت الأعداء ككبت الذين من قبلهم. وفي الآية الثانية إخبار عن كون هؤلاء الأعداء في الأذلين.
والفرق واضح بين الآيتين، فهدف الآية الأولى الإخبار عن أنفس المحادّين لله ورسوله. فأنفسهم مكبوتة مهانة مهزومة تعيسة بائسة محطمة .. أما هدف الآية الثانية فهو الإخبار عن المحيط العام الذي يعيش فيه هؤلاء المكبوتون، إن من حولهم أذلون خاسرون مهزومون، وهؤلاء المكبوتون في المحيط العام للأذلين .. هم مكبوتون، ومَنْ حولهم أذلون!.
فالآية الأولى إخبار عن أنفس المحادين لله ورسوله، والآية الثانية إخبار عن من حول المحادين، فصار المجموع هكذا: المكبوتون في الأذلين، والصنفان من حزب الشيطان الخاسرين.
وهذا وعد قرآني متحقق دائمًا، وقد سجل التاريخ أمثلة عديدة لإذلال وخسران وهزيمة حزب الشيطان، ولا يتخلف عن هذا الوعد القرآني أية أمة كافرة، في أي زمان ومكان، في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.
كتب الله الغلبة لدينه:
وبعد تقديم الوعد الصادق بكبت وإذلال وهزيمة حزب الشيطان المحادين لله ورسوله، قدمت الآية التالية وعدًا قرآنيًا آخر بنصر دين الله. قال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) .
ومعنى (كَتَبَ) هنا: قدّر وقضى، فالكتابة كتابة قدر وإرادة، وجعل المكتوب قدرًا ربانيًا نافذًا، وسنة ربانية قاطعة، لا تُغيَّر ولا تُبَدل، ولا تقدر أية قوة مخلوقة على تغيير ما كتبه الله أو محوه، أو إلغائه وإعاقة إمضائه وإنفاذه.
ماذا كتب الله؟ كتب: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) .
اللام في (لَأَغْلِبَنَّ) لام القسم للتوكيد، وأدخلت نون التوكيد الثقيلة على الفعل المضارع للتوكيد أيضًا، وجيء بالضمير المنفصل (أَنَا) للتوكيد. واجتماع ثلاث مؤكِّدات في الجملة: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) لتقرير هذا الوعد الرباني، وزيادة يقين المؤمنين بتحققه.
والغلبة قائمة على النصر، فالغالب هو المنتصر. وإذا كان الله هو الغالب على أمره، فإن الأعداء الذين يحادون الله ورسله مغلوبون مهزومون.
ويلاحظ أن مفعول فعل (أغلبنّ) في الآية محذوف، ولو ذكره لقال: لأغلبن أنا ورسلي الكافرين المحادين.
وعطف الرسل عليه سبحانه، فقال: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) وهذا لتكريم وتشريف مقام الرسل، فالله غالب لأعدائه، ورسله غالبون لأعدائهم بإذنه سبحانه.
عاملان أساسيان للنصر:
وهناك حكمة لطيفة من عطف الرسل على الله في الآية: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) .
إنها تشير إلى عاملين أساسيين في تحقيق الوعد القرآني في الآية، وتطبيق السنة الربانية التي قررتها:
العامل الأول: العامل الرباني: وهو أساس الغلبة والنصر وتحقيق الوعد، فالله كتب وشاء وقدّر وأراد، ولا راد لأمره سبحانه، ويمثله في الآية الضمير المنفصل (أَنَا) .