الصفحة 133 من 152

ثانيًا: قوله تعالى: (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ، لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ، لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَاسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الحشر: 11 - 15] .

بينما تحدثت الآيات السابقة عن ما جرى ليهود بني النضير، فإن هذه الآيات تجمع بين المنافقين واليهود، وتخبر عن الوعد الذي وعد به المنافقون اليهود، وكذبهم فيه.

وقد عرفنا من سبب تزول السورة أنه لما اشتد الحصار على يهود بني النضير اتصل بهم عبد الله بن أبي زعيم المنافقين، ووعدهم النصر والتأييد والمدد، وشجعهم على عدم الاستسلام، لكنه أخل بوعده وتخلى عنهم، وتركهم بواجهون مصيرهم الأسود وحدهم.

تدعو الآيات إلى العجب من موقف المنافقين، حيث انحازوا إلى اليهود الكافرين، وانفصلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين زعموا أنهم مؤمنون به، وتجعل الآيات المنافقين إخوانًا لليهود في الكفر.

قال المنافقون لإخوانهم اليهود الكافرين: لئن أخرجكم المسلمون من دياركم فإننا سنتضامن معكم ونخرج معكم، ولن نطيع أي أحد إذا أمرنا بمخالفتكم، مهما كان ذلك الشخص، حتى لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا قاتلكم المسلمون فإننا لن نكون معهم، وإنما سنكون معكم، وسننصركم عليهم، ونمدكم بالمدد من جماعتنا ضدهم!.

وهذا الوعد يدل على متانة العلاقة بين اليهود والمنافقين، وضعف الصلة بين المنافقين والمسلمين، لأن المنافقين ليسوا مسلمين في الحقيقة، وإنما هم كفار إخوان لليهود في الحقيقة.

ومع ذلك شهد الله بأن المنافقين كاذبون في وعدهم، وأنهم سيخلفونه؛ فإذا أُخرج اليهود لن يخرجوا معهم، وإذا قوتل اليهود لن ينصرونهم، وإذا حاول المنافقون الوفاء بالعهد ونصرة إخوانهم اليهود فلن ينتصروا، وسيولّي الفريقان المتحالفان الأدبار، ويُهزمون أمام المسلمين.

نحن هنا أمام وعدين تذكرهما الآيات:

الأول: وعد المنافقين بنصرة إخوانهم اليهود وتأييدهم.

الثاني: وعد الله بكذب المنافقين، وخلفهم الوعد.

ماذا حصل بعد ذلك؟.

كذب المنافقون، وأخلفوا إخوانهم اليهود ما وعدوهم، لأن الخُلفَ في الوعد والعجز عن الوفاء به صفة ملازمة للكفار والمنافقين .. وصدق الله في ما وعد به وأخبر عنه، لأن الله لا يخلف الميعاد، وهو الأصدق في قوله سبحانه!.

كذب وجبن المنافقين واليهود:

وتجمع الآيات بين الفريقين المتحالفين: اليهود والمنافقون العرب، وتعتبرهما قومًا لا يفقهون، ولذلك يخافون من المؤمنين أكثر مما يخافون من الله، والمؤمنون أشد رهبة في صدورهم من الله.

وتخبر الآيات عن جبن الفريقين اليهود والمنافقين، والجبن متجذِّر في الشخصية اليهودية أكثر، فهم لا يقاتلون المسلمين مجتمعين، ولا يواجهونهم مواجهة مكشوفة، وإذا اضطروا إلى مواجهتهم وقتالهم فإنهم يختبئون في قرى منيعة محصّنة، أو يتمتْرَسون وراء جدر وموانع وسواتر تحميهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت