سورة الصف مدنية، وحديث السورة عن (الصف) الإسلامي المجاهد، الذي يرفع راية الإسلام، ويجاهد أعداء الله.
وتبدأ السورة بتقرير تسبيح الكون وما فيه لله، وتلوم الذين تخالف أفعالُهم أقوالَهم، وتدعو إلى التخلي عن (الازدواجية) بين الفكر والسلوك، وتخبر أن الله يحب المجاهدين صفًا متماسكًا متحدًا.
ثم تشير آيات السورة إلى حلقات سابقة من الصف الإسلامي قبل الإسلام، فتذكر صفَّ المؤمنين بموسى عليه السلام، ثم صفَّ المؤمنين بعيسى عليه السلام، وتنتقل إلى صف المؤمنين بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، الذين انتهى إليهم الموكب الإيماني كله. وتبين الآيات عداوة الكفار للمؤمنين، وتدعو المؤمنين إلى جهادهم، وتعتبر الجهاد في سبيل الله هو التجارة الرابحة، وتقدم بعض ثمرات الجهاد ومكاسبه في الدنيا والآخرة، وتختم السورة نداءها الأخير للمؤمنين ليكونوا أنصار الله، وأن يقتدوا في ذلك بالحواريين المسلمين، الذين لبّوا نداء عيسى عليه السلام، فكانوا أنصار الله.
فالسورة جهادية حركية تربوية، تأخذ بيد المسلمين، وتوقفهم في الصف الإسلامي المجاهد، وتهيّجهم على جهاد الأعداء!.
ومن الآيات التي تحمل وعودًا قرآنية قاطعة صادقة، وحقائق قرآنية بينة واضحة:
ظلم أهل الكتاب لكذبهم وافترائهم:
أولًا: قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 7 - 9] .
تقرر الآيات أنه لا أحد أشد ظلمًا من ذلك الكافر الكتابي، الذي يُدْعى إلى الدخول في الإسلام، لكنه يرفض تلك الدعوة، ويفتري على الله الكذب.
كما تقرر أن هؤلاء الكافرين الظالمين محاربون للإسلام، حريصون على إطفاء نوره، ولكنهم مهزومون، فالله متم نوره، ومظهر الإسلام على الدين كله.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ) ؟ الاستفهام في الآية تقريري، يقرر حقيقة قاطعة، أنه لا أحد أكبر ظلمًا من الذي يكذب على الله، في حالة دعوته للدخول في الإسلام.
ومن السنة للمسلم عندما يقرأ هذا السؤال أو يسمعه أن يجيب قائلًا: لا أحدَ أظلم منه.
والحديث في الآية عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، لأن الآيات السابقة تتحدث عنهم، وتذمّهم لتكذيبهم بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما صرّحت به الآية السابقة: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) .
أي: لما جاءهم الرسول الخاتم أحمد صلى الله عليه وسلم بالبينات والبراهين كذّبوه، واتهموه بأنه ساحر، وأن ما معه سحر.
وجوب دخول أهل الكتاب في الإسلام:
والمراد بالإسلام في قوله: (وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ) الإسلام الخاص الذي جاء به الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا معناه أن الأديان السابقة نسخها الله، ومنها اليهودية والنصرانية، وأن أتباعها مأمورون بالدخول في الإسلام، والدعوة موجهة لهم، وأنهم لن يدخلوا الجنة إلا إذا استجابوا لها وكانوا مسلمين.