فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 3

ينسب دعي نفسه إلى الأيمان وأن يلبس ثوبه كل مزور دجال .. ويأبى الله سبحانه وتعالى ذلك (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين.

{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتيكم مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب} .

ويقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى: (أن الناس لا يتركون دون فتنة أي ابتلاء واختيار لأجل قولهم: آمنا، بل إذا قالوا آمنا فتنوا: أي امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء، حتى يتبين بذلك الابتلاء الصادق في قوله آمنا من غير الصادق) [أضواء البيان 6/ 461] .

وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد [3/ 14 - 15] : (فان الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: أما أن يقول أحدهم: آمنا وأما ألا يقول ذلك، بل يستمر على السيئات والكفر، فمن قال: آمنا امتحنه ربه وابتلاه وفتنه، والفتنة الابتلاء والاختبار، ليتبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل: آمنا فلا يحاسب انه يعجز الله ويسبقه، فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه، فابتلى بما يؤلمه وان لم يؤمن بهم ولم يطعهم، عوقب في الدنيا والآخرة فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا المؤلم له أعظم ألما وأدوم من ألم اتباعهم، فلابد من حصول الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإيمان لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العقبة في الدنيا والأخر، والمعرض عن الأيمان تحصل له اللذة ابتداء ثم يصير إلى الألم الدائم، وسئل الشافعي رحمه الله أيما أفضل للرجل، أن يمكن أو يبتلى؟ فقال لا يمكن حتى يبتلى، والله تعلى ابتلى أولي العزم من الرسل فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة وإنما يتفاوت أهل الآلام في القول، فأعقلهم من باع ألما مستمرا عظيما بألم منقطع يسير، وأشقاهم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر) أهـ [بتصرف] .

لذلك يجب أن يوقن أصحاب الدعوة إلى الله أن تسلط الطواغيت والكفار عليهم صورة من صور الابتلاء الذي خص الله به أهل دينه (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) وليحذر أصحاب الدعوة أن ينحرفوا بمسار الدعوة إلى الله عن المسلك الشرعي - وذلك بقصد تجنب الصدام والمواجهة مع الطواغيت -فالصراع بين أهل هذا الدين والطواغيت قديم قدم الرسالات النبوية فضلا عن كونه من طبيعة هذا الدين .. ويبدأ هذا الانحراف بطريقة تدريجية .. تخفيف حدة الخطاب مع الطاغوت .. فتكميم الأفواه للدعاة عن مسائل الحاكمية والجهاد .. ثم مشاركة للطاغوت في مجالسه التشريعية الوثنية .. حتى يصل الأمر إلى التأييد المطلق للطاغوت والوقوف ضد صف المجاهدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وكأن هؤلاء لم يستمعوا الى قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} .

ورحم الله الشيخ الشنقيطي حينما قال: (يعني أن من الناس من يقول: آمنا بلسانه فإذا أوذي في الله أي أذاه الكفار إيذائهم للمسلمين جعل فتنة الناس صارفة له عن الدين إلى الردة، والعياذ بالله، كعذاب الله فأنه صارف رادع عن الكفر والمعاصي، ومعنى فتنة الناس، الأذى الذي يصيبه من الكفار، وإيذاء الكفار للمؤمنين من أنواع الابتلاء الذي هو الفتنة) [أضواء البيان 6/ 462] .

فيا ترى هل نكون أهلا للقيام بأعباء هذا الدين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت