قالوا: نعم.
قلت: فأخرجوها من هذه الدار، فإنها أخطر من البارود! فضحكوا وعدوها نكتة.
وعدت مرة أخرى، فإذا هي بلا خمار، فسألتها عنه، فقالت - وياليتها لم تقل، فما كنت أدري أن لها مع جمالها هذا الصوت الذي يرنّ كأجراس الفضة في مواكب الأحلام .. أو كرنّات العيدان في خيال متذكر ليلة غرام -
قالت: إني قد استثقلته فألقيته أمام الأقرباء، وأنت منهم"مُشْ هيك"؟ وشفعتها ببسمة من فيها، وغمزة من مقلتيها، وهزة من كتفيها ...
فما هذه البنت؟! ومن أين لها هذا كله؟! صدقني لو أنها ربيت في مسارح"مونمارتر"في باريس لكان هذا كثيرا منها، فكيف تعلمته في مزابل"التواني"؟!
وعبست فما أحببت أن أوغل معها في هذا الطريق، فولّت ترقص رقصا لا تمشي مشيا، وشعرها الذهبي حقا لا تشبيها، المنشور على كتفيها وظهرها، البالغ حقويها يرقص معها!
وعدت بعد ذلك، فإذا هي قد جزّت شعرها على"الموضة"، وأمرّت يد الزينة على وجه ما يحتاج إلى زينة، وطرحت صدارها، ولبست ثياب فتاة غنية مدللة، لا ثياب خادم ...
فانفردت بأكبر الإخوة من أقربائي فقلت له: إنك أنت وإخوتك من أمتن الناس خلقا وأقومهم سيرة، ولكن هذه البنت تفتن والله العابد، وتستزل الزاهد، وتحرك الشيخ الفاني ... وإنها لتسحر بكل نظرة وكل حركة، ويكاد جسمها يتفجر إغراء بالمعصية، وإذا أنتم بقيتموها في هذه الدار فما أظن الأمر ينتهي بسلام!
واستجاب لما قلته له، ورآه حقا، فأخرجها وأدخل مكانها زوجة صالحة.
قال: ودخلت البنت دارا أخرى، دار قوم مترفين منعّمين لا يسألون عن المال أين ذهب، وكانوا كلهم ثلاثة؛
-أبا تاجرا جاهلا، همه عمله في النهار، وسهراته في الليل.
-وأما شغلها ثيابها وزياراتها واستقبالاتها.
-وولدا شابا في العشرين طالبا في الجامعة صاحب جد ودراسة وخلق ودين، غير أنه كان - ككل الصالحين من لداته - يطوي صدره على مثل البارود المحبوس في القنبلة إذا طار منها مسمار الأمان، أو صدمتها فرجّتها تمزقت ومزقت من حولها! وكانت الصدمة لها هذه الخادمة اللعوب!
وبدأت من اليوم الأول تولي اهتمامها صاحبنا الذي أسميه"الشاب"- كراهة أن أصرح باسمه - وتنسج حوله خيوطها ... فإذا ناداها لحاجة له - ولم يكن له بدٌّ من أن يناديها - قفزت قفزة الغزال وأقبلت تحف بها