شياطين الشهوة ... فتراه منصرفا عنها، فتبسم له، وتسأله عما يريده، بصوت يقطر فتونا، وتسلط عليه من عينيها مغناطيس مكهربا يذيب القلوب، ولو كانت من صفا الجلمود، وإن أعانته في رفع نضد أو تسوية كرسي أو ناولته شيئا، دنت الملعونة منه حتى لامست بهذا الجسم اللدن الدافئ المكهرب، جسمه القوي القرم إلى"اللحم"! أو قرّبت وجهها الفاتن من وجهه حتى ليحس لسع أنفاسها، ويشم رائحة جسمها، وإنها لأفتن من كل عطور الدنيا وطيبها، وأين العطر من ريح جسم المرأة؟ أو تتعمد حركة تزيح ثوبها القصير لحظة عن بياض فخذيها.
وكان المسكين بشرا، اجتمعت عليه صبوة الحب في نفسه، وإغراء الجمال في خادمته ... . وحماقة أبويه اللذين جاءاه بها وغفلا عنه وعنها، وصارا يتركانه معها وحيدين في الدار طول النهار، حتى لقد بعثاها مرة تناوله الصابون في الحمام ... . وثار في أول الأمر عليها، وأعرض عنها، ثم أحس أن سمّها سرى في جسده وروحه، فاستنفر آخر قوى الفضيلة في نفسه وألح على أبويه في إخراجها من المنزل، فأبيا، وكيف يفرطان فيها وقد وجداها بعد طول البحث، وكبير العناء؟ وهل تدع"السّت"زياراتها وسينماها، وتشتغل هي بالطبخ والكنس لمجرد أن البنت الخادمة جميلة و"دلّوعة"ويخشى منها؟ كلام فارغ!
هكذا كان يفكر الأبوان المحترمان ... وضربا بالعمى عن حقيقة لا تخفى على عاقل، هي أن الرجل والمرأة حيثما التقيا وكيفما اجتمعا: معلما وتلميذة، وطبيبا وممرضة، ومديرا وسكرتيرة، وشيخا ومريدة، فإنهما يبقيان رجلا وامرأة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما خلا رجل بامرأة - هكذا، على الإطلاق - إلا كان الشيطان ثالثهما) .
ومرض الشاب، وعجز عن الاحتمال ... فكانت الخادمة هي التي تقوم على خدمته، وتصرم الليل كله ساهرة عليه، وتبدل ثيابه فتراه كما هو وتستبيح بالنظر واللمس كل إصبع في جسده، وهو لا يحس بها، حتى إذا تماثل للشفاء، ومرّ في طريق النقاهة رآها إلى جانبه، وكان المرض قد أضعف عزمه وأوهن إرادته، فانكسر السد وطغى الحب ...
وفي ليلة كان النعاس قد نال منها، حلف عليها إلا أن تستريح وتنام، وكان في الغرفة سرير آخر فاستلقت عليه أمامه ... وكان هذا أكثر من أن تتحمله أعصاب رجل في الدنيا، فطار النعاس، وكانت النتيجة المحتومة لهذه المقدمات! ودخلت"الست"في الصباح، فرأت الخادمة بين ذراعي ابنها!!
صحت البنت من سكرتها، وصحا الأهلون وأرادوا إصلاح ما فسد، وهيهات! إن الماء قد انسفح على الرمل فمن يردّ الماء المسفوح؟! وعود الكبريت قد احترق فمن يعيد العود المحروق؟ وعرض البنت قد مزق فمن يرتق العرض الممزق؟! لا أحد!
ووثبوا يفتشون كالمجانين عن طريق الخلاص، وأقبل الشيطان مرة ثانية، وكانت المؤامرة، وانجلت عن ستر هذه الجناية بجناية أخرى، هي أن ترد البنت إلى أبيها الذي يطلبها ليزوجها من ابن عمها، وقبلت، وماذا تصنع إذا هي لم تقبل؟