الحمد لله الذي قضى بعد عبادته و توحيده بالإحسان إلى الوالدين، وجعل القيام بحقوقهما سبيلا إلى السعادتين، نحمده على ما أنعم ونشكره على ما به تكرّم، و نشهد أن لا إله إلا هو رب العالمين، و نشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد المحسنين البّارين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله و أصحابه والتابعين، من يطع الله و رسوله نال من خير الدارين ما نوى. أما بعد:
فإن أحسن الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم.
قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء: 23 - 24) .
أيها المسلمون، إن القيام بحقوق الوالدين، و برورهما والإحسان إليهما، من آكد الفروض و الواجبات، وأعظم العبادات والقروبات بعد عبادة الله سبحانه و توحيده، لأن الله سبحانه الخالق الحقيقي للولد، قد جعل الوالدين السبب المباشر في خلق الولد، وخلق في قلوبهما من العطف و الحنان والرحمة، ما يدفعهما لبذل الجهود، و تحمل المشاق و المتاعب في السعي عليه، وحفظه و رعايته و تربيته، لذلك جاء الإسلام يُعظم حقوقهما و يوجب رعايتهما، و يحرم تحريما قاطعا عقوقهما، بِجعْل برّهما بعد الصلاة أفضل من الجهاد، و عقوقهما من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله.
فعن ابن مسعود قال:"سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحبُّ إلى الله تعالى، قال: الصلاة على وقتها، قلت ثم أي، قال بر الوالدين، قلت ثم أي، قال الجهاد في سبيل الله". وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة قال:"قال رسول صلى الله عليه وسلم: آلا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاث، قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور. فما زال يقولها حتى قلنا لا يسكت".
وحقوق الوالدين كثيرة، تتجدد بتجدد الأحوال إلا أن الله سبحانه جمع في الآية الكريمة التي صدرنا بها القول أعظمها و آكدها، فأمر أولا بالإحسان الذي يجمع كل معاني البرور، و جعله مقترنا بعبادته فقال (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا) ثم نهى عن اذايتهما بالقول، والإساءة إليهما بالخطاب الجافي والزجر الخشن و الكلام القبيح، ولو كان