فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 5

قليلا دالا على مجرد التبرم و الضجر، ككلمة (أف) ، و إذا كانت هذه الكلمة الخفيفة محرمة منهيا عنها فما بالك بغيرها، قال تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} . و ليس هذا النهي خاصا بحالة الكبر و الشيخوخة كما يُتوهم بل هو عام في جميع الاحوال، و إنما ذكر الله تعالى حال الكبر و الشيخوخة لأنه مظنة التضجر و التضايق، وبعد هذا طلب الله سبحانه ان يتحرى الأولاد و يتخيروا أطيب الكلام وأكرمه وأحسنه في مخاطبة الوالدين، وأن يبتعدوا من العنف و استعمال الألفاظ الموحشة، فقال تعالى: {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا} . ثم أمر سبحانه أن نرحمهما، و نتذلل لهما، ونعطف عليهما عطفا بالغا، ونرفق بهما رفقا زائدا، فقال: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} .

وأخيرا و ليس آخرا حثَّ الله تعالى على الدعاء لهما بالرحمة، رعاية لحقوقهما و جزاءا لفضلهما الذي نعجز عن مكافأتهما عليه، فقال: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} وقد كرّر الله سبحانه في القرآن الوصية بالإحسان إلى الوالدين، لافتا سبحانه نظر عباده إلى جليل ما قاما به نحو الولد، و ما تحملا في سبيله، ومُثنيا على البار بهما، و مبشرا له بما ادخره له عنده من الكرامة والنعمى، ناعيا على العاق جرمه منذرا له بما ينتظره من غضب الله ومقته.

فقال عز وجل: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كرْهًا وَوَضَعَتْهُ كرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يتقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ، وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الْأوَّلِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} (الأحقاف 15 - 18) .

وقال جل وعز في سورة لقمان مؤكدًا للوصية المذكورة {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ (أي فطامه و قطع رضاعه في تمام عامين) أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) } (لقمان 14 - 15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت