فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 5

أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة بشكره مقرونا بشكر الوالدين، و خص الأم بالذكر لكونها تتحمل القسط الأوفر والنصيب الأكبر من الآلام و المشاق في الحمل والولادة و الرضاع و التربية، وأكد الله حقهما وأوجب طاعتهما و برورهما في عموم الأحوال، إلا إذا أمر ولدهما بالشرك و الكفر بالله ومعصيته فحينئذ لا تجوز طاعتهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولهما مع كفرهما و إشراكهما حق الصحبة بالمعروف، والصلة الكريمة، والبرور الواجب والرعاية المطلوبة، وفي الصحيحين قالت أسماء:"قدمت عليّ أمي وهي مشركة، فاستفيتُ النبي صلى الله عليه و سلم فقلت: إن أمي قدمت عليَّ وهي راغمة محتاجة أي تسألني شيئًا مما عندي آفأصلها؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم: نعم صِلي أمك".

هكذا يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمر بصلة الأم المشركة قياما بحقها، وشكرا لفضلها ولأنها أحق الناس بعطف أولادها و أولاهم ببرورهم، بل جعل الشرع حقها أعظم من حق الوالد و أولى، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال:"جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: من أحق الناس بحُسن صحابتي (أي صحبتي) ؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال أبوك". فأوصى بحق الأم ثلاث مرات قبل الأب.

ومن العجائب أن الدين الاسلامي الذي امتاز عن"الأديان"كلها بتكرار الوصية بالإحسان إلى الوالدين وحفظ حقوقهما، وأوجب لهما من البرور و الرعاية و التكريم ما طفحت به مصادره، وامتلات به كتبه، و أكد كتابه الكريم الأمر، قارنا شكرهما بشكر الله، وطاعتهما بطاعة الله، و ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأحاديث والآثار في شرح ذلك و بيان آثره، وتحريم العقوق و توضيح أخطاره ما يملأ الدفاتر. هذا الدين نرى أتباعه المنتسبين إليه، الزاعمين أنهم أهله، أسوأ الناس حظًا من هذا الخير و أبعدهم عن هدايته، وأنكرهم له، وأجهلهم بفضله، لا تخلو محكمة من محاكمنا من دعاوي ترفعها الأمهات على أولادهن يطلبن النفقة. ولا يمر بك يوم دون أن تسمع أُما تحكي عن سوء معاملة ولدها و بنتها لها، و تدعو عليهما، حتى ألفنا الدعاء بالسخط واللعن لكثرة ما نسمعهما، ولسنا نخلي الأمهات و الوالدين من المسؤولية، فإنهم يتحملون بعضها، لتفريطهم وإهمالهم للتربية لجهلهم بطرق ذلك و فوائدها، و لكن هذا الواقع المؤسف يحملنا على الإشفاق من هذا الحال واستمراره مع ما تنطوي عليه من أخطار و أضرار، خصوصا وأنها تقع في الأقطار الإسلامية، ومن شعوب مسلمة كما قلنا. ونلتفت إلى الأجانب المحرومين من هذا الفضل، فنراهم أسبق الناس لرعاية هذه الحقوق، وصيانتها وحفظها والقيام بها، بدافع الإنسانية، و مقابلة الجميل بالجميل، دون ترغيب ولا ترهيب ديني، فتأمل رعاك الله هذا الأمر، فإنك لاشك واجد في عائلتك القريبة أو البعيدة شيئا من هذا، ساعَد على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت