من أمراضنا الاجتماعية الذميمة؛ حب النقد مع ترك العمل، وقد فشت هذه الظاهرة المرضية في مختلف طبقات المجتمع؛ فلا يختص بها المثقف دون الأمي، ولا الأمي دون المثقف، ولا يختص بها الذين ينتسبون للدعوة دون من لا ينتسبون إليها، بل هي سمة في مجتمعاتنا بمختلف فئاتها.
ويكاد الكثير في مجتمعاتنا ألا يسمعوا بعالم من العلماء أو بداعية من الدعاة أو بمجاهد من المجاهدين أو بخطيب من الخطباء أو برجل بذل ما بوسعه لنصرة الإسلام أو اجتهد اجتهادا معينا لخدمة الدين، يكادون ألا يسمعوا بشيء من ذلك حتى ينصب بعضهم من نفسه مفتيا وهو على أريكته أو في منتداه أو في مقهاه ليتناول هؤلاء العاملين بالنقد والحديث مستعليا ومتعالما ومتفاصحا ومتعاظما ومستهزئا، ويملأ شدقيه بالكلام ويتفيهق ويتفلسف ويتشبع بما لم يعط، ولكن هيهات أن يعمل أو يتحرك!
أو سدوا من الخلل مخل الذي سدوا ... أقلوا اللوم عليهم لا أبا لأبيكم
صابرون ومساكين هؤلاء الذين يعملون ويبذلون في مجتمعاتنا؛ أولئك الذين ينقذون المواقف ويأخذون بزمام المبادرة حين يتخلف الكسالى سواء كانوا من القادرين أو غير القادرين.
قد تجد قوما لا يجدون لهم إماما يصلي بهم، ويهرب الجميع من ذلك ضعفا وعجزا لا ورعا، فإذا ما اضطر أحدهم للتقدم - إذ لا بد من هذا - تحول الهاربون إلى علماء نقاد، وذاق الإمام من ألسنتهم الأمرين، أو لا يجدون لهم خطيبا فإذا اضطر أحدهم إنقاذا لعبادتهم من التعطيل فبادر لأداء الخطبة صار الباقون على الفور أهل علم بالخطابة وكيف تكون وكيف تؤدى، وإذا نكص الناس عن الدعوة والتعليم والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله فقام دعاة يؤدون ما بوسعهم تناولتهم الألسن ولاكتهم مع قلة الناصر والمعين لهم من الخلق، هكذا حالنا! لا نريد أن نكون في الميدان ولكن نحب أن ننظر من خلف الزجاج، ثم نعلق وننقد ونحلل! يثقل علينا أن نكون في ساحة العمل والبذل والعطاء ولكن نشتهي أن نشرف من وراء المكاتب! نريد أن ننقد ولا نريد أن نعمل!
فأين ذهب الذين يتكلمون بأفعالهم لا بألسنتهم وأقلامهم؟
نريد أولئك الذين تتكلم أعمالهم وبذلهم وعرقهم ودماؤهم لا الثرثارين المتشدقين المتفلسفين المتقمصين من الأدوار ما ليس لهم.
روى الترمذي بسند حسن عن جابر- رضي الله عنه -أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور" (1) .
وروى الترمذي أيضا بسند صحيح عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون". قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارين والمتشدقين؛ فما المتفيهقون؟ قال:"المتكبرون" (2) .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسيره المتفيهقين بالمتكبرين يعطينا خلاصة حال هؤلاء والدافع إلى