بالاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم، {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} .
هذا الوجود مشغول كله بأهل الحق، مشغول كله بالمؤمنين، حتى حملة العرش - وهم أرفع قدرًا، وأعلى مكانة - منشغلون بالتسبيح بحمد ربهم والاستغفار للذين آمنوا والدعاء لهم، بعد الحمد والثناء والأدب مع الله؛ {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} .
وهكذا نجد أن الملائكة مشغولون بأهل الحق، مشغولون بالذين آمنوا، وأن الوجود كله يقف مع أهل الحق، فإذا ظهر للناس أنهم قلة؛ فليعلم الجميع أن الوجود كله معهم.
وهكذا نجد الباطل وهو يستعمل كل ما معه من قوة وسلطة لضرب أهل الحق ... ولن يصلوا إلى ذلك، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا.
وسورة غافر تبين؛ أنه كم من الأقوام تجبروا وتكبروا، فأخذهم الله بذنوبهم، ليس لهم ولي يدفع عنهم، ولا ناصر ينصرهم، {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} ... جائتهم رسلهم بالبينات فكفروا، فأخذهم الله، {إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .
استعلى فرعون بقوته وجنوده ومعه وزيراه - هامان وقارون - حينما جاءهم الحق؛ رفضوه، وقالوا: {سَاحِرٌ كَذَّابٌ} ، جاء موسى بآيات الله وبحجج ظاهرة؛ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} ، لما جاءهم الحق من عند الله بماذا قابلوه؟ باستعمال سلطتهم وقوتهم؛ {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} .
ويذكرنا هذا القرار بقرار صدر من فرعون سابق في الوقت الذي ولد فيه موسى عليه السلام، صدر قرار من فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل، ويستبقي النساء ... فهل هذا قرار غيره؟ وهل فرعون الذي أصدر الأول هو الذي أصدر القرار الثاني، أم أنه غيره؟ كل ذلك محتمل، أن يكون فرعون الذي أصدر القرار الذي يصاحب ميلاد موسى عليه السلام هو الذي أصدر القرار الثاني: {اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} ... وقد يكون فرعون ورث فرعون، يكون الذي أصدر القرار الثاني هو ولي العهد، وقد تسلم الملك لأن أباه قد مات، فهو يستعيد القرار، لكن القرار الثاني مسلط على الذين آمنو بموسى: {اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} ... وظن أهل الباطل أنهم تمكنوا من الحق وأهله، وأنهم يكيدون لهم، لكن الآية ترد: {وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} .