فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 14

ويرى فرعون - ممثلًا لأهل الباطل - أن الحل الوحيد أن يقتل موسى ويتخلص منه، بحجة أنه يخاف من موسى أن يبدل دينهم! أو أن يظهر في الأرض الفساد!

وهذا أمر عجب! أن يقول فرعون الضال الوثني عن موسى عليه السلام الداعي إلى التوحيد، يقول ضروري أقتل موسى: {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} ، هل هناك ما هو أعجب من ذلك؟! أليس هذا هو عين كلام كل طاغية وهو يواجه المؤمنين؟! أليس هذا الكلام هو عين ما يواجه به الظلمة دعاة الحق؛ {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} .

لكن موسى يلجئ إلى الركن الركين، وإلى الحصن الحصين، وإلى الحمى الذي لا يغالب، يلوذ بالجناب القوي المتين، يلجئ إلى ربه، فقال موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} ، عذت بربي وربكم ... فهو يوحد الله، ويبين أنه رب الجميع، وأنه لا رب غيره ولا إله سواه، وأن يوم الحساب؛ لا يوجد التفكير فيه في قلب أي متكبر، فإذا وجد الكبر فإنه لا يفكر في يوم القيامة أبدً؛ {مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} .

وبينما الأمر كذلك، وبينما الصراع قائم محتد بين موسى وفرعون، بين الإيمان والطغيان، إذا برجل مؤمن من آل فرعون يظهر، لكنه في حذر وحيطة، إنه يكتم إيمانه، ولا يريد أن يظهر للسلطة ولا للقوة، لئلا يأخذوه أخذًا ... إنه يتكلم في حذر ويتحدث في حيطة، لكن لا يمنعه الحذر والحيطة من أن يعلن الحق ويدافع عنه، إنه رغم حيطته وحذره، وعلى الرغم من أنه يكتم إيمانه؛ فإنه يدافع عن الحق.

ليس معنى أن يكتم الإنسان إيمانه، أو أن يكون في حيطة وحذر، أن يترك الحق ذبيحًا أو جريحًا، ليس معنى أن الإنسان يواري نفسه من السلطة، أو يمنع نفسه من هؤلاء ... ليس معنى ذلك؛ أنه يخذل الحق، ولا يقف بجانب الحق.

على كل مسلم؛ أن يقول الحق، بأي أسلوب يراه، لكن الحق يجب أن يُقال، وأن يُعلن به، وأن يظهر أمام الناس.

ها هو الرجل الذي يكتم إيمانه من آل فرعون؛ انه لا يمتنع أبدًا عن أن يقول الحق، فهو يواجههم ... يواجه السلطة والقوة، ويواجه الحكم والنفوذ، ويواجه المطبقين على عبادة فرعون ... يواجههم فيقول: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} ، أرأيتم هذه القوة وهو يبين الحق ويعلنه، مع أنه يكتم إيمانه؛ فهذا الذي فعله موسى يستوجب أن تقتلوه؟! إن كل ما يقول موسى هو؛ ربي الله، ثم لم يقل موسى هذا من فراغ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت