فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 14

قاله ومعه حجته ومعه برهانه ودليله، {وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} ، فهو لم يذكر شيئًا دون برهان، أو خاليًا من الدليل، إنما ذكره ومعه برهانه، و {جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} .

وهكذا؛ بدأ الرجل الذي يكتم إيمانه في الدفاع عن الحق، ما قال؛ إن السلطة والقوة، وإن الإطباق على الكفر، وإن عبادة فرعون، تمنعني من أن أقول الحق! بل قالها في حيطة، وقالها في حذر: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} .

ثم أخذ يورد عليهم الاحتمالات؛ موسى قد يكون صادقًا وقد يكون كاذبًا، فإن كان كاذبًا فعليه كذبه، لكنه لا يستوجب ذلك الكفر، وإن يكن صادقًا يصلكم بعض الذي يعدكم!

وهكذا استمر مؤمن آل فرعون في إظهار الحق الذي يؤمن به.

وختم هذه الفقرة الأولى من كلامه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} ، وهذا يصح أن يقع لموسى وأن يقع لكن، فإذا كان موسى هو الذي فعل هذا؛ فالله ينتقم منه، ينتقم من كل مسرف كذاب، فلا تكونوا يا قوم من المسرفين الكذابين، حتى لا يقع بكم عقاب الله.

واستمر مؤمن آل فرعون وهو يحذرهم بأس الله وعذابه، وعقابه الذي لا يرد عن القوم المجرمين؛ {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} ، إذا جاء بأس الله وعذابه فمن الذي يستطيع دفعه؟ ومن الذي يقدر على ربه؟!

وهكذا أخذ مؤمن آل فرعون في بيان الحق ...

ولكن فرعون استشعر أن هذا الحق خطر عليه، فأخذه ما يأخذ كل طاغية، ما يأخذ كل متكبر جبار، ما يأخذ كل ظالم، من نعرة، ومن شدة، ومن بيان؛ أن رأيه هو الصواب، {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} ؛ فما أراه هو الحق! وما أهديكم إليه هو سبيل الرشاد، وأي رأي مع رأيي يجب أن يبدد وأن يذهب، وأي قائل لرأي آخر يجب أن تقطف رأسه ويقطّع لسانه ... هكذا يكون الطغاة دائمًا ويكون الظلمة، لا يقبلون رأيًا مع رأيهم، ولا يسمحون لأي شخص آخر أن يتحدث معهم، بل يلقون في روع الجماهير؛ أن كلامهم هو الصواب، وأن ما يدعون إليه هو سبيل الرشاد، وأن قرارتهم لا معقب عليها ... هكذا يكون الطغاة ويكون المستبدون، وإن ظهروا أمام الناس أنهم يعلنون القانون أو الديمقراطية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت