الصفحة 58 من 90

وقريب من ذلك حال المؤمنين الصادقين الذين اضطروا للتخلف عن الخروج مع النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك لعدم توفر ما يحملهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم ..

قال تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) [1]

فتأمل كيف أنهم لم يفرحوا بذلك أو يتولوا وهم مسرورين بالراحة والقعود مع النساء والولدان في الظل الظليل بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه في المشقة والقيظ والتعب؛ يَقْتُلون و يُقْتَلون .. بل تولوا و أعينهم تفيض من الدمع متحسّرين على ما فاتهم من الأجر العظيم في نصرة الحق .. محزونين لتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم مع النساء و الولدان والمنافقين ... يودون لو أن عندهم ما يمكنهم من الخروج واللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ..

*فائدة أخيرة: في أن المكره على الكفر إذا اختار الأخذ بالعزيمة و الصبر فهو أفضل عند الله و أعظم أجرا:

روى البخاري في صحيحه باب (من اختار الضرب و القتل و الهوان على الكفر) (12/ 315) من الفتح: عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، و يمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه و عظمه ,ما يصده ذلك عن دينه، و الله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله و الذئب على غنمه، و لكنكم تستعجلون) .

لذا نقل الحافظ في الفتح (12/ 317) عن ابن بطال قوله: (اجمعوا على أن من اكره على الكفر و اختار القتل انه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة، و أما غير الكفر؛ فإن أكره على أكل الخنزير و شرب الخمر مثلا فالفعل أولى، و قال بعض المالكية: بل يأثم

(1) التوبة 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت