الصفحة 82 من 169

قلت: فلو كان موضوعًا لم يسمعه البخاري وإنما كتبه عن تلميذه الترمذي لاستغرابه له [1] ، وسالم بن أبي حفصة

وعطية العوفي كل منهما ضعيف، قال النسائي في سالم:"ليس بثقة" [2] .

(1) -قال عمرو عبد المنعم في: (النقد الصريح لأجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث المصابيح) (ص:122) : (هذا الحديث رواه الترمذي في:"الجامع"(3727) : حدثنا علي بن المنذر، حدثنا محمد بن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: .... فذكره. وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب لا نغرفه إلا من هذا الوجه، وسمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث فاستغربه".

قلت: وكيف لا يستغربه ولوائح التشيع ظاهرة عليه، مع تفرد الموصوفين بالتشيع بروايته. فهذا إسناد كل رواته من الشيعة، بل: سالم بن أبي حفصة من غلاتهم. وكذلك، فعطية-وهو ابن سعد العوفي-ضعيف الحديث، موصوف بتدليس الشيوخ، يقول: عن أبي سعيد-وهو محمد بن السائب الكلبي-يوهم به أنه الخدري.

ولو كان ثقة محتجًا به لرددنا هذا الحديث بعلة وصف رواته بنوع من البدعة، مع نفردهم برواية حديث يشيد بدعتهم، على ما فيه من نكارة في المتن).

قالت أم الفضل: قال الحافظ في: (التقريب) (3/ 246/رقم:5901) : (محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي، النسابة المفسر: متهم بالكذب، ورمي بالرفض ... ) ، وقال الحافظ الذهبي في: (الديوان) (ص:477) : (متفق على تركه لكذبه ورواياته موضوعات ومجيئه بالطامات، فهذا إذا انفرد بحديث عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فلا تحل روايته إلا بشرط أن يُهتك، ويبين سقوطه وأن خبره ليس بصحيح، فإن حُفت متنه قرائن الدلالة على أنه موضوع نبه على ذلك، وحُذر منه) .

ومرة قال في: (الميزان) (1/ 427) : (قال يحيى القطان: لا يحمد حديثه، ويكتب التفسير عنه) ، وقال مرة في: (السير) (10/ 102) : (كان مفسرًا، ولكنه لا يوثق به، وفيه رفض) ، ومرة قال في: (التاريخ) (2/ 18/31) ، و (3/ 22) : (متروك) ، ومرة قال في: (الميزان) (2/ 578) : (ساقط) ، ومرة قال في: (التاريخ) (2/ 25) : (متهم ساقط) .

(2) -ماذا يعني هذا المصطلح: (ليس بثقة: ولا مأمون) ؟ الضعف الشديد أم الجرج الخفيف؟ الجواب في أقوال هؤلاء الأئمة العظام:.

1 -قال الحافظ ابن حجر في (نهذيب التهذيب) : (4/ 347) : (لفظة:"ليس بثقة"في الاصطلاح توجب الضعف الشديد) .

2 -وقال المعلمي: في: (التنكيل) (1/ 70) : (إذا قيل:"ليس بثقة ولا مأمون"تعني الجرح الشديد) ، فإن اقتصر على: (ليس بالثقة فالمتبادر جرح شديد، ولكن إن كان هناك ما يشعر بأنها استعملت في المعنى الآخر حملت عليه) .

3 -وقال صاحب (معجم علوم الحديث النبوي) (ص:183/رقم:527 - لا يوثق به-) : (هذا عندي مثل قولهم: ليس بمأمون، وليس بالمرضي) .

وقال في موضوع آخر من المصدر نفسه (ص:160\رقم:442 -: غير ثقة ولا مأمون، ليس بالثقة، ليس بثقة، ليس بالثقة ولا مأمون-) :

هذه الألفاظ من المرتبة السادسة من مراتب الجرح عند الذهبي والسخاوي والسندي، ومن الثانية عند العراقي والسيوطي-والخامسة عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح-).

4 -قال الشيخ مصطفى بن إسماعيل في: (شفاء العليل) (1/ 214) وما بعدها: (وأما قولهم:"ليس بثقة أو: ليس بالثقة"فمعلوم أن الأول أشد جرحًا من الثاني، وليس بمنكر أن تجمع المرتبة الواحدة ألفاظًا متفاوتة في المعنى طالما أنها متقاربة ومتشابهة وتكون هذه الألفاظ بمجموعها تختلف عن ألفاظ المرتبة التي قبلها والتي تليها، لكن هل محلها بين اللفظين في هذه المرتبة كما هو صريح صنيع الحافظ العراقي أم لا؟

الظاهر صحة ما صنع الحافظ العراقي خلافًا لبعض علماء عصرنا الأفاضل، حيث قال بعضهم: إن قولهم: (ليس بالثقة) نفي للدرجة العليا من الثقة فقط، والذي يظهر لي من خلال تتبعي لهذين اللفظين أنهما يطلقان في الجرح الشديد، والعبرة في ذلك بالاصطلاح.

وأنا أذكر عدة تراجم وهي تدل على المقصود وأترك كثيرًا من التراجم خشية الملل، جاء في: (تاريخ بغداد) (5\ 326) ، ترجمة: محمد بن سليم أبي عبد الله القاضي، قال ابن معين: (وأما ابن سليم فهو والله صاحبنا وهو لنا محب ولكن ليس فيه حيلة البتة وما رأيت أحدًا قط يشير بالكتاب عنه ولا يرشد إليه) .

وقال في موضع آخر: (قد والله سمع سماعًا كثيرًا وهو معروف ولكن لا يقصر على ما سمع يتناول ما لم يسمع، فقيل: يكتب عنه؟ قال: لا) .

وقال أحمد بن زهير: سمعت ابن معين يقول: ليس بثقة. قلت: لم صار ليس بثقة؟ قال: لأنه يكذب في الحديث).

(انظر في:(تاريخ بغداد) (2/ 194) ترجمة: محمد بن الحسن بن أزهر الأصم، و (2/ 250) ، ترجمة محمد بن الحسين الخفاف. و (3/ 113/114) ترجمة: محمد بن العباس بن سهيل الخطيب.

وقال الذهبي في: (الميزان) (4/ 66) ترجمة محمد بن يحيى الغراف: (ليس بثقة زوَّر طبقة) ، وقد يقال هذا اللفظ فيمن لا يتهم في سماعه ولكن أتى كبيرة من الكبائر والعياذ بالله-كما جاء في (الجرح والتعديل) (9/ 206) ترجمة: (يعقوب بن حميد بن كاسب-قال ابن معين ...(ليس بثقة)

قال ابن أبي خيثمة: (من أين قلت ذاك؟ قال:(لأنه محدود) . قلت: أليس هو في سماعه ثقة؟ قال: (بلى ... ) ، فتأمل كيف فهم ابن أبي خيثمة أن قول ابن معين: (ليس بثقة) أنه طعن في صحة سماع يعقوب حتى ظهر له سبب آخر.

وفي كتاب: (المجروحين) (2/ 140) ، والنسخة التي بين يدي في زنزانتي الانفرادية هي في: (2/ 123/رقم:741) ، قال ابن معين في عبد العزيز ابن أبان القرشي: (ليس بثقة) ، قيل: من أين جاء ضعفه؟ قال: (كان يأخذ كتب-أو: أحاديث-الناس فيرويها) .

وقد يقولون: (ليس بثقة) ، على من هو ليس من أهل الحديث كما قال ابن معين في عبد العزيز بن عمران بن أبي ثابت: (ليس بثقة، إنما كان صاحب شعر) -كما في (المجروحين) (2/ 139) ، والنسخة التي داخل زنزانتي هي في: (2/ 122 رقم:740) - قول ابن معين في الراوي: (لم يكن من أهل الحديث) معناها: أنه لم يكن بالحافظ للطرق والعلل، وأما الصدق والضبط فغير مدفوعين عنه-

وقد وقفت على صريح ذلك من كلام حافظ عصره وقريع دهره أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر كما جاء في: (تهذيب التهذيب) (4/ 347) ترجمة شعبة بن دينار الهاشمي مولى ابن عباس قال مالك: (ليس بثقة) ، وقال البخاري: (يتكلم فيه مالك ويحتمل منه) .

وقال أبو الحسن بن القطان قوله: (يحتمل منه) يعني من شعبة وليس هو ممن يترك حديثه، قال: (ومالك لم يضعفه وإنما شح عليه بلفظ:"ثقة"، قال الحافظ ابن حجر: قلت: (هذا التأويل غير شائع بل: لفظة(ليس بثقة) في الاصطلاح توجب الضعف الشديد، وقد قال ابن حبان-في (المجروحين) (1/ 458/رقم:469) : روى-أو: يروي-عن ابن عباس ما لا أصل له كأنه ابن عباس آخر ... لم يكن بثقة).

وأيضًا في ترجمة إسماعيل بن عبد الله بن أويس، قال النسائي: (ضعيف) ، وقال في موضع آخر: (غير ثقة) ، وقال اللالكائي: (بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه ولعله بان له ما لم يبن لغيره لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف) -انظر: (1/ 311) من كتاب: (تهذيب التهذيب) -، فتأمل فهم اللالكائي لقول النسائي (غير ثقة) .

ثم ذكر الحافظ قول من اتهمه وذكر حكايته في ذالك ثم قال: (قلت وهذا هو الذي بان للنسائي منه حتى تجنب حديثه وأطلق القول فيه بأنه ليس بثقة ولعل هذا من إسماعيل كان في شبيبته ثم انصلح .. . كما في:(1/ 312) من كتاب: (تهذيب التهذيب) -.

وقد يقولون: (ليس بثقة) على المجهول، كما قاله ابن عدي في: (كامله) (3/ 1247/1248) في ترجمة سعيد بن عقبة، وقد يقولون نحو ذلك على الضعيف في الحديث ولكن حيث توجد قرينة، كما جاء في: (الجرح والتعديل) (8/ 187) ترجمة: مسلم بن النحات وهو ابن صاعد، قال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عنه؟ فقال: هو ضعيف الحديث عندي، فقيل له: إن يحيى بن معين قال: هو ثقة، فقال: ما هو بثقة عندي) . فالظاهر من هذا أنه عند أبي حاتم ليس بمنزلة من يقال فيه (ثقة) .

وقد ذكر المعلمي أن كلمة (ليس بثقة) حقيقتها اللغوية نفى أن يكون بحيث يقال له: (ثقة) ولا مانع من استعمالها بهذا المعنى، قال: وقد ذكره الخطيب في: (الكفاية من أمثلة الجرح غير المفسر، ثم ذكر المعلمي أمثلة لا تسلم من منازعة ثم قال: (نعم إذا قيل(ليس بثقة ولا مأمون) تعين الجرح الشديد، وإن اقتصر على (ليس بثقة) فالمتبادر جرح شديد لكن إذا كان هناك ما يشعر بأنها استعملت في المعنى الآخر حملت عليه).

وهذا الذي ذكره المعلمي في: (التنكيل) غاية في التحقيق ... أما قولهم: (ليس بالثقة) فأنا أذكر ترجمتين ورد فيهما هذا اللفظ في الجرح الشديد كما جاء في: (تاريخ بغداد) (14/ 164/165) ترجمة يحيى بن هاشم بن كثير الغساني، قال ابن معين: لا يحمل عن مثله الحديث، وقال مرة: (دجال هذه الأمة) .

وقال مهنا عنه: (ليس هو بالثقة كذاب خبيث، قال:(قلت ليحيى: قد حدث عنه يزيد بن هارون قال: ولو حدث عنه منصور بن المعتمر لم يكن بالثقة قال: قلت ليحيى تراه وضع هذه الأحاديث؟ قال: هو لا يحسن يضع هذه الأحاديث ولكن وضعت له) . وجاء في: (الميزان) (4/ 18) ترجمة محمد بن كثير العبدي، قال أحمد بن أبي خيثمة: قال لنا ابن معين: (لا تكتب عنه لم يكن بالثقة، ... ) . انتهى من هامش كتابي: (شفاء التبريح) (ص:141/ 142) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت