وقد أفتى بمثل هذا كثير من العلماء المحققين المحسوبين على المذاهب الأربعة كابن حجر العسقلاني وغيره، لذا لم نذكر هنا نص فتواهم.
وقد أفتى كثيرٌ من العلماء المعاصرين بوجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها، منهم على سبيل المثال، علماء الدعوة النجدية ومن سار بعدهم على منهاجهم في فهم الأحكام، مثل الشيخ الألباني بين ذلك في كتابه آداب الزفاف وغيره. وبهذا أفتى تلامذته، وكذلك الشيخ علي محفوظ في كتابه الإبداع، والشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة، والشيخ محمود الإستنبولي في كتابه تحفة العروس، والشيخ كشك في فتاويه، والشيخ القرضاوي في كتابه الحلال والحرام، والشيخ إسماعيل الأنصاري وجميع علماء الجزيرة العربيّة بينوا ذلك في المحاضرات والمؤلفات، ولو أردنا تتبع أقوال الأئمة والعلماء في هذا الأمر لما كفتنا المجلة بكاملها، ولكن في هذا القدر كفاية، لذوي العناية.
أدلة التحريم:
أولًا: حلقها من تغيير خلق الله تعالى: بنص القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى قد حرم تغيير خلقه، فقد قال في حق الشيطان: {لعنه الله وقال لأتخِذَنَّ من عبادكَ نصيبًا مفروضًا * وَلأُضِلَّنَّهُم ولأُمَنّيَنَّهُم ولأَمُرَنَّهُم فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعامِ ولأَمُرَنَّهُم فَلَيُغَيَّرُنَّ خلقَ الله ومن يتخذ الشيطانَ وليًا من دُونِ الله فقد خَسرَ خُسرانًا مُبينا} [النساء: 118 - 119] .
قال الشيخ الألباني: (فهذا نص صريحٌ في أن تغيير خلق الله دون إذن منه تعالى إطاعةٌ لأمر الشيطان ... وليس من شكٍ في دخول حلق اللحية للحُسنِ من اللعن المذكور بجامع الاشتراك في العلة والسبب كما لا يخفى) [آداب الزفاف، ص119 - 120] .
وهناك كثيرٌ من الآيات التي تأمر بإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى {وما ءَاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] .
ثانيًا: مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم بإعفائها:
فقد قال صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين وفِّروا اللحى وأحفوا الشوارب» [متفق عليه] . وفي رواية "أعفوا اللحى" وروى ابن جرير قصة رسولي كسرى أنهما: دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما وقال: «ويلكما من أمركما بهذا» قالا: أمرنا ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي» . فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كره النظر إلى هؤلاء المشركين، فبالله عليك أيها المسلم كيف يكون حاله صلى الله عليه وسلم لو رأى حال من ينتسبون إليه؟ ثم انظر كيف أنه صلى الله عليه وسلم نسب أمر إعفاء اللحية إلى الله سبحانه وتعالى، والأمر كما هو معلوم في كتب الأصول يفيد الوجوب إلاّ إذا جاءت قرينة تصرفُ اللفظ عن ظاهره، ولا قرينة هنا تصرف الوجوب، بل القرائن كلها تؤكد الوجوب، فأمعن النظر أخي الكريم كي لا تكون من النادمين.
ثالثًا: التشبه بالكفار: وقد أمر صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحاح بمخالفة، أهل الكتاب من يهود ونصارى، وبمخالفة المشركين والمجوس. وحلق اللحى من عادات هؤلاء القوم فيجب على المسلم مخالفتهم.