فهرس الكتاب
وقديمًا قيل:
والعذر عند كرام الناس مقبول ... والعفو من شيم السادات مأمول
وقال آخر:
ولا ترى عُذْرًا أولى بذي زَلَلٍ ... من أن يقولَ مُقرًّا: إنني بشرُ
والله المسئول أن يرزقنا العلم النافع والعمل به والدعوة إليه، وينفعنا بما نقرأ ويزيدنا علمًا إلى أن نلقاه، مع المحبرة إلى المقبرة [1] وأن لا يؤاخذنا بنقصنا وقصورنا وخطئِنا وجهلنا وسهونا.
(1) قال صالح بن أحمد بن حنبل: (رأى رجل مع أبي محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمينيعني: احتاج إليك الناس ومعك المحبرة تحملهافقال: مع المحبرة إلى المقبرة) ، وفي رواية أنه قال: (أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر) كما في (مناقب الإمام أحمد) (ص:31) .
قال ابن القيم رحمه الله: العلماء بالله وأمره هم حياة الموجود وروحه، ولا يُستغنى عنهم طرفة عين، فحاجة القلب إلى العلم ليست كالحاجة إلى التنفس في الهواء، بل: أعظم، وبالجملة فالعلم للقلب مثل الماء للمسك، إذا فقده مات، فنسبة العلم إلى القلب كنسبة ضوء العين إليها.
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ: (كنت أصوغ مع أبي ببغداد، فمر بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يديه، فأخذ أبي بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي، إلى متى تعدو مع هؤلاء؟ قال: إلى الموت) .
وقال الحسين بن منصور الجصاص: قلت لأحمد بن حنبل رحمه الله: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: إلى الموت.
وقال نعيم بن حماد: سمعت عبد الله بن المبارك رحمه الله وقد عابه قوم في كثرة طلبه للحديث، فقالوا له: إلى متى تسمع؟ قال: إلى الممات.
وقال عبد الله بن بشر الطالقاني: أرجو أن يأتيني أمري والمحبرة بين يدي، ولم يفارقني العلم والمحبرة.
وقال حميد بن محمد بن يزيد البصري: جاء ابن بسطام الحافظ يسألني عن الحديث، فقلت له: ما أشد حرصك على الحديث! قال: أوما أحب أن أكون في قطار آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وسئل الحسن عن رجل له ثمانون سنة: أيحسن أن يطلب العلم؟ قال: إن كان يحسن به أن يعيش. انظر: (مفتاح دار السعادة) (1\ 74) ، و (صور من صبر العلماء ... ) (ص:24) .
وقد ذكر الحافظ الخطيب في (شرف أصحاب الحديث) (ص:53) أبياتًا في وصف المحبرة هذا مطلعها:
قناديلُ دين الله يسعى بحملها ... رجال بهم يحيا حديث محمد ...
هم حملوا الآثار عن كل عالم ... تقيٍّ، صدوقٍ، فاضل متعبد ...
محابرهم زُهْرٌ تُضيء كأنها ... قناديل حبر ناسكٍ وسط مسجدِ ...
تساق إلى من كان في الفقه عالمًا ... ومن صنف الأحكام من كل مسند
وقال أحمد بن منيع بن عبد الرحمن البغوي: سمعت جدي يقول: مرَّ أحمد بن حنبل جائيًا من الكوفة، وبيده خريطةهي الكيس له خيط بفمه يُشَدُّ فيُغلَقفأخذت بيده، فقلت: مرة إلى الكوفة! ومرة إلى البصرة! إذا كتب الرجل ثلاثين ألف حديث لم يكفه؟ فسكت، ثم قلت: ستين ألفًا؟ فسكت، فقلت: مائة ألف؟ فقال: حينئذ يعرف شيئًا. قال أحمد بن منيع: فنظرنا، فإذا أحمد كتب ثلاثمائة ألف، عن بهز بن أسد وعفان، وأظنه قال: روح بن عبادة. كما في (مناقب الإمام أحمد) (ص:28) ، و (صور من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) (ص:111\ 112) لأبي أنس صلاح الدين السعيد.