الصفحة 173 من 393

1التعريف بكتاب (التاريخ الكبير) :

كتاب (التاريخ الكبير) للإمام الجهبذ النحرير العلم أمير المؤمنين سيدي محمد بن إسماعيل البخاري [1] هذا من أهم الكتب التي اهتمت بالترجمة لرواة الأخبار، دون التقيد برجال كتاب أو: بلد بعينه، وإنما هو من كتب التاريخ العامة في ذكر عموم الرواة.

وقد اهتم الإمام البخاري في هذا الكتاب بذكر السماعات، وإثبات الاتصال من عدمه، تعويلًا على ما ورد بالأسانيد الصَّحيحة، وقد يحكي السماعات أو: العنعنة الواردة بالأسانيد الضعيفة.

طريقة الإمام البخاري في (التاريخ الكبير) :

وطريقته: ذكر الرواة حسب حروف المعجم، مع تقديم (المحمدين) على باقي تراجم الكتاب، تبركًا وتيمنًا باسم نبينا محمدصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم يبدأ بعد ذلك بحرف الألف، ويذكر تراجم هذا الحرف، ولكن دون اعتناء بترتيب أسمائه، فقد يُقدم التالي على السابق، فيذكر مثلًا: باب: إسماعيل، ثم يذكر باب: إسحاق. ويرتب تراجم الاسم الواحد بحسب الحرف الأول من اسم أبيه، على نسق حروف المعجم، ويذكر بعض تلاميذ الراوي، وبعض شيوخه، وربما يكتفي بأحدهما.

وكثيرًا ما يورد عبارات الجرح اللطيفة فيمن كان مجروحًا، فمن عباراته في هذا الكتاب: (فيه نظر) بمعنى أنه متهم أو: (سكتوا عنه) ، بمعنى أنهم تركوه، أو: (منكر الحديث) ، وهذا من قبيل الجرح الشديد عنده، ومن وصفه بهذا الوصف فلا تحل للرواية عنه عنده.

وغالبًا ما يذكر الراوي، ويورد بعض رواياته، ويسكت عنه، فلا يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وبعض المشتغلين بالعلم يجعل هذا السكوت تعديلًا، جريًا على قاعدة توثيق المستور، وقاعدة الشيخ أحمد

شاكر في الاحتجاج بسكوت البخاري عن الراوي وتوثيق ابن حبان له [2] .

(1) قال الحافظ ابن حجر في كتابه (تقريب التهذيب) (ص:422/رقم:5727) عند ترجمته للإمام البخاري: (محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن المغيرة الجعفي أبي عبد الله البخاري: جبل الحفظ، وإمام الدنيا في فقه الحديث) ، و (تحريره) (3/ 212/رقم:5727) . ومن العجب والعجائب جمة قول ابن أبي حاتم، وأبيه، وأبي زرعة عن البخاري: (متروك) .!!!.

(2) من المهم للباحث أن يتعرف على القواعد التي سار عليها العلماء في الاحتجاج بالرواة، لا سيما تلك القواعد التي قعدها المعاصرون، لأجل الوقوف على مذاهبهم في التصحيح والتضعيف، والاعتبار بقواعدهم فيما وافقوا فيه أهل النقد والرواية والتعليل.

ومن أهم هذه القواعد تلك القاعدة التي سار عليها الشيخ العلامة أحمد شاكر رحمه الله في توثيق الرواة، لا سيما المستورين منهم. ومفاد هذه القاعدة: (أن الراوي إن لم يرد فيه جرح ولا تعديل، وذكره ابن حبان في(الثقات) والبخاري في (التاريخ الكبير) وسكت عنه، فهو ثقة).

بل: لربما احتج بتوثيق ابن حبان أو: العجلي ونحوهما من المتساهلين وإن خالفه قول أحد الأئمة بجهالة الراوي. وكان من نتيجة هذه القاعدة: الاحتجاح برواية المستور، التي هي موضع رد عند أكثر أهل العلم، ومن ثم تصحيح أحاديث هذه الطبقة من الرواة.

مثال ذلك: ما أخرجه أحمد (217) : حدثنا سليمان بن داود، ... حدثنا سلاَّميعني أبا الأحوص عن سماك بن حرب، عن سيَّار بن المعرور، قال: سمعت عمر يخطب وهو يقول إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (بنى هذا المسجد ونحن معه، المهاجرون والأنصار فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه، ورأى قومًا يصلون في الطريق، فقال: صلوا في المسجد) ..

علق عليه العلامة أحمد شاكر قائلًا: (إسناده صحيح، سيار بن المعرور التميمي المازني: ذكره ابن حبان في(الثقات) وقال ابن المديني: مجهول ... ). فتصحيحه للسند، يدل على احتجاجه بتوثيق ابن حبان، وإن قابله حكم ابن المديني على الراوي بالجهالة، وهو الراجح، فقد تفرد بالرواية عنه سماك، ولم يوثقه معتبر.

مثال آخر: ما أخرجه عبد الله بن أحمد في الزوائد على (المسند) (426) حدثنا إسماعيل أبو معمر، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن موسى بن عمران بن مَنَّاح، عن أبان بن عثمان، عن عثمان: أنه رأى جنازة فقام إليها، وقال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رأى جنازة فقام لها) .

قال العلامة أحمد شاكر معلقًا عليه: (إسناده صحيح، ... موسى بن عمران بن مناح ذكره ابن حبان في(الثقات) ، وليس بمشهور، وذكره البخاري في (التاريخ الكبير) (4/ 1/296) ... ) فاحتج أحمد شاكر بهذا الراوي، لإيراد ابن حبان له في (الثقات) ، وذكر البخاري له في (التاريخ الكبير) .

قاعدة العلامة الألباني رحمه الله في توثيق المستور: وأما الشيخ الألباني رحمه الله فقد سار في مسألة المستور نحو ما سار عليه العلامة أحمد شاكر، ولكن مع اختلاف يسير يدل على دقة نظر الشيخ.

فإنه رحمه الله اشترط للاحتاج برواية من ذكره ابن حبان في (ثقاته) ، ولم يوثقه غيره، ولم يرد ما يدل على أن ابن حبان قد سبر رواياته وعرف حاله على الحقيقة شرطين:

الأول: أن يروي عنه جمع من الثقات.

الثاني: أن لا يروي ما ينكر عليه.

قال رحمه الله في مقدمة كتابه (تمام المنة) (ص:25) : (من وثقه ابن حبان، وقد روى عنه جمع من الثقات، ولم يأت بما ينكر عليه، فهو صدوق يحتج به) وسيأتي بيان أن رواية الثقة عن مجهول العين قد تنفعه، وأما روايته عن المستور فلا ترقيه بحال إلى درجة الصدوق، إلا أن يكون الراوي عنه من العارفين بالجرح والتعديل، ويكون لا يروي إلا عن ثقة.

والشيخ الألباني لم يشترط هذا الشرط، وإنما أطلق القول بأن يكون الراوي عنه من الثقات، وأما الشرط الثاني وهو انتفاء النكارة، فلا أظن أن هذا الشرط يقع للمستور إلا بالمتابعة، وأما تفرد المستور بحديث فإن كان المتن معروفًا من وجه آخر، إلا أن السندلا شكقد يكون منكرًا لتفرد المستور به، وعدم المتابع عليه.

ومن ثم فلا بد من اشتراط انتفاء النكارة في السند وفي المتن جميعًا وهذا يلزم منه وجود المتابع، وهو ما قرره أهل العلم والحذق والنقد ويشير إلى ذلك قول الحافظ ابن حجر في (النزهة) (ص:107) :(قد قبل روايتهأي: المستورجماعة بغير قيد، وردها الجمهور.

والتحقيق: أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يُطلق القول بردها، ولا بقبولها، بل: يقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم به إمام الحرمين، ونحوه قول ابن الصلاح فيمن جُرح بجرح غير مفسر).

الذي يهمنا هنا في المستور هو ضبطه، إذا أنه لو علم منه ما يُتهم لأجله ما امتنع العلماء عن الكلام فيه وبحثه وشرحه، فإذا لم يرد فيه جرح ولا تعديل، ولم يرو ما ينكر عليه، فبقي معرفة ضبطه، وضبط الراوي إنما يثبت بموافقته للثقات، وقلة ضبطه إنما تُعرف بمخالفته لهم.

قال ابن الصلاح رحمه الله (ص:106) : (يُعرف كون الراوي ضابطًا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم، أو: موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم، عرفنا اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه) .

فعاد الأمر على المتابعة والموافقة في الرواية أو: التفرد، فمتى توبع، كان هذا دليلًا على ضبطه، ومتى خالف بتفرد أو: بمخالفة، كان هذا دليلًا على قلة ضبطه.

مثال ذلك: ما أخرجه أبو داود (90) والترمذي (357) وابن ماجه (923) من طريق: يزيد بن شريح، عن أبي حيٍّ المؤذّن، عن ثوبانرضي الله عنهمرفوعًا: (لا يحل لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، فإن نظر فقد دخل، ولا يؤم قومًا فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حقن) .

وفي هذا السند أبُو حيّ المؤذن، واسمه شداد بن حيّ، لم يوثقه أحد من أهل العلم، وإنما أورده ابن حبان في (ثقاته) في أتباع التابعين، والعجلي، وروى عنه يزيد بن شريح، وشرحبيل بن مسلم، وراشد بن سعد.

فأحسن أحواله أن يكون مجهول الحال، وأما الحافظ ابن حجر فقال: (صدوق) وهو مما يستدرك عليه كما بَيّنه صاحب (صون الشرع) (1/ 65) ، وأبُو حيّ لم يُتابع على هذا الحديث، وإنما اختلف عليه فيه، بما يدل على اضطراب يزيد بن شريح فيه، بالإضافة إلى جهالة حال حيٍّ، فالسند ضعيف، وليس ثمة ما يدل على أن أبا حيّ قد ضبط هذه الرواية.

مثاله: ما أخرجه أبو نعيم في (الحلية) (5/ 243) من طريق: إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمر، عن يزيد بن ميسرة، عن أم الدرداء عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ما من شيء أثقل في الميزان من خلقٍ حسن) .

ويزيد بن ميسرة هو ابن حلبس، أورده ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (2/ 4/288) ، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات) (7/ 627) : فهو مجهول الحال.

وبتتبع طرق هذا الحديث نجد أن يزيد بن ميسرة قد توبع على هذه الرواية. أخرجه أحمد (6/ 446/448) وأبوداود (4799) ، وابن حبان (1920) من طريق: شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن عطاء الكيخاراني، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء به.

وسند صحيح، وعطاء الكيخاراني هو ابن نافع، من الثقات. فدل هذا على أن يزيد بن ميسرة قد وافق الثقات في روايتهم، فهذا دليل على أنه قد ضبط الرواية. صورة أخرى من الاحتجاج برواية المستور: ومن الأمثلة التي كثيرًا ما ترد في (الصحيحين) ، وفي خارجهما، تصحيح بعض الأئمة لحديث من اشهر بالصدق، والعدالة، والصلاح والإمامة، ولم يرد فيه ما يدل على ضبطه، فهذا الصنف يجري أهل العلم على تصحيح حديثه ما لم يرد فيه جرح، لا سيما إن كانت روايته عالية، كأن يروي عن طبقة الصحابة، أو: عن طبقة كبار التابعين.

وقد بوب الخطيب في كتابه (الكفاية) (ص:109) : (باب: في المحدث المشهور بالعدالة والثقة والأمانة، لا يحتاج إلى تزكية المعدل) .

وقال: (مثال ذلك: أن مالكَ بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وأبا عمرو الأوزاعي، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، ... ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر، واستقامة الأمر، والاشتهار بالصدق، والبصيرة، والفهم، ولا يُسأل عن عدالتهم، وإنما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو: من أُشكل أمره على الطالبين) .

مثال ذلك: إبراهيم بن يزيد النخعي، أحد شيوخ الإسلام، وأئمة الدين، وحفاظ الحديث، وخرّجوا له في الصحيح، ولم يرد في ترجمته لفظ التوثيق الذي هو معروف عند أهل الحديث: (ثقة) أو: نحوه ... انتهى من (تيسير دراسة الأسانيد) (ص:63/ إلى:69) . وكتابي: (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت