الصفحة 175 من 393

وأعجب من هذا كله قوله: (قلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب) وقال: (لو نشر بعض إسنادي، هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب(التاريخ) ولا عرفوه) ثم قال: (صنفته ثلاث مرات) .

وصدق أبو العباس بن سعيد قال: (لو أن رجلًا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب(التاريخ) تصنيف محمد بن إسماعيل البخاري).

والكتاب أورد أسماء كثيرة من رجال الحديث ودرس أحوالهم، وقد ورد كثير من الأسماء التي أوردها في كتب الرجال: كـ (التهذيب) ، و (الثقات) لابن حبان، و (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم، و (تعجيل المنفعة) ، و (اللسان) للحافظ ابن حجر، و (الميزان) للحافظ الذهبي.

ولكن مما يميز كتاب (التاريخ الكبير) انفراده ببعض الرجال، وإحاطته بأحْوَال أولئك الذين أوردهم، وإدراكه في هذا المضمار ما لم يدركه غيره [1] ، ومن أهم النقاط المميز له أن البخاري استطاع التمييز بين من تشابهت أسماؤهم وأسماء آبائهم في كثير من الأحيان فأورد كل واحد منهم منفردًا عن الآخر، وبين انفراد أحدهما من الآخر-ورغم هذه المزية وإحاطة البخاري بعلم الرجال فإن من أتى بعده من أساطين هذا العلم قد بينوا أشياء اختلفوا معه بها كما في كتاب (أوهام الجمع والتفريق) للخطيب البغداديكما أن البخاري أورد في كتابه متون أحاديث كثيرة لا نكاد نجدها في غيره من أسفار الحديث، ولا غرابة في ذلك فالبخاري إمام من أئمة الحديث وأمير المؤمنين فيه.

(1) قال السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى) (2/ 230) : (ولا يرتاب المنصف أن محمد بن يحيى الذهلي لحقته آفة الحسد التي لم يسلم منها إلا أهل العصمة) . وقال الذهبي في (السير) (12/ 285) عما حدث بين الذهلي والبخاري: (وما زال كلام الكبار المتعاصرين بعضهم في بعض لا يلوى عليه بمفرده) .

ومع ذلك فقد أخرج البخاري للذهلي في (صحيحه) ولم يجرحه بشيء، وهذا خلق كريم لا يصدر إلا من النبلاء أمثال البخاري.

وقال الحسن بن محمد بن جابر: (سمعت محمد بن يحيىلذهلييقول قال لنا لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه) . (السير) (12/ 230) ، و (تاريخ بغداد) (2/ 30) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت