الصفحة 56 من 111

يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء ... إلى آخر قوله رحمه الله. اهـ [1]

وقال ابن تيمية رحمه الله: فكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر مأمورا أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده فيدعوهم ويعظهم ويجادلهم بالتي هي أحسن ويجاهدهم بالقرآن جهادا كبيرا، قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) [2] ، وكان مأمورا بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش - ملوك العرب - ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام أمره الله تعالى بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت وأمره بنبذ العهود المطلقة. اهـ [3]

وقد بين ابن القيم أيضا ما ذكرناه من الحكمة في تأخر فرض الجهاد ومبينا أنه ما فرض إلا بعد أن صار للإسلام شوكة ومنعة فقال رحمه الله: فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأيده بنصره بعباده المؤمنين الأنصار وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعه أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة، واشتد الجناح فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) . اهـ [4]

وقد وصف ابن إسحاق رحمه الله ما كان من أمر قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل الهجرة المباركة إلى المدينة فقال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله تبارك وتعالى والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، فكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم عن بلادهم فهم من بين مفتون في دينه وبين معذب في أيديهم وبين هارب في البلاد منهم بأرض الحبشة ومنهم بالمدينة وفي كل وجه، فلما عتت قريش على الله وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه صلى الله عليه وسلم واعتصم بدينه، أذن الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال

(1) راجع تفسير ابن كثير ج3/ 226، راجع ما أوردناه سابقا من قوله الوارد في ج1/ 526 من تفسيره.

(2) سورة الفرقان، الآية: 52.

(3) راجع الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج1/ 237، الاستقامة ج2/ 287، الصارم المسلول ج3/ 681، وهذا المعنى مذكور في إغاثة اللهفان لابن القيم ج1/ 81.

(4) راجع زاد المعاد ج3/ 69ـ70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت