الصفحة 55 من 111

على التعذيب والأذى والصفح والعفو، وهكذا حتى يشتد الأذى بأصحاب الدعوة ثم الهجرة، ثم المرحلة الأولى من مراحل القتال ... الخ، فهل هذا هو الصحيح الذي عليه سلفنا أم أن هذا قول مبتدع ما أنزل الله به من سلطان؟

وللإجابة على هذا السؤال لابد لنا من تصفح أقوال العلماء وتفاسيرهم للأدلة المتعلقة بتشريع الجهاد، وهل صرحوا فيها بأنه ينبغي على كل جماعة تريد تغيير الأنظمة والأحوال الجاهلية أن تبدأ بما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نهاية المراحل أم أنهم حسموا القضية في ذلك.

وقد اختصر علماؤنا الكرام مراحل تشريع الجهاد مستفيدين في ذلك بما ورد في السنة والهدي النبوي والتوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم، وبينوا أنه كان ممنوعا في أول الأمر، ثم أباحه الله تعالى وأذن فيه للذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله تعالى، وهذه هي المرحلة الأولى من مراحل تشريع الجهاد، ثم أمرهم الله تعالى الحكيم الخبير بقتال من قاتلهم والكف عمن سالمهم ولم يقاتلهم، وهذه هي المرحلة الثانية، ثم أمرهم الله تعالى بقتال الكافة من المشركين وأهل الكتاب إلى غاية، وجعل الغاية في قتال المشركين الإسلام على الصحيح، وفي قتال أهل الكتاب الإسلام أو إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، وهذه هي المرحلة الثالثة من مراحل تشريع الجهاد، وعلى هذا استقر تشريع القتال حين القوة والتمكين والشوكة والنصرة وحين يكون للمسلمين عدد وعدة كافية لمجابهة المعاندين وأهل الكفر والردة.

فأما إذا كان المسلمون بأرض هم فيها مستضعفون وليس معهم قوة ولا شوكة ولا أنصار ولا أعوان يكفون للقيام بفريضة الجهاد والانقضاض على الجاهلية وتدميرها والحكم بشريعة الرحمن العادلة فليسوا مخاطبين حينئذ بأدلة وجوب القتال، إنما يخاطبون بإعداد العدة بكل أوجهها وأخذ الأهبة والصبر على الأذى حتى يتم لهم الأمر، فمناط التكليف في الجهاد القدرة من عدمها، مع بقاء وجوبه ثابتا إلى يوم القيامة، فإن أدلة وجوب جهاد الكفار والمشركين كافة هي آخر مراحل التشريع وعليها استقر الحكم.

وقد قال ابن كثير رحمه الله في بيان الحكمة في عدم تشريع الجهاد وقت الضعف: إنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا فلو أمر المسلمون وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نيفا وثمانين قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي - يعنون أهل منى - ليالي منى فنقتلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لم أومر بهذا) ، فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم وهَمُّوا بقتله وشردوا أصحابه شَذَرَ مَذَر فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة وافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت