الصفحة 54 من 111

وأما الجواب على آخر أقوالهم وهي المتعلقة بوجوب البدء بما بدء به رسولنا صلى الله عليه وسلم فالجواب عنها:

إن لازم هذا القول العودة إلى أحكام العصر المكي حيث أن كثيرا من الأحكام لم تكن قد فرضت بعد، فلم يكن هناك صيام واجب ولا حج وعمرة ولا حجاب ولا جهاد ولا جزية ولا حدود ... الخ، ومن لازم هذا القول الانسلاخ عن الشريعة وهدم أحكام الديانة.

ولذلك فقد قال بعض من قال بوجوب البداءة بما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم من المراحل ممن عاشرناهم ورأيناهم: إننا نعيش في عصر استضعاف كالعهد المكي فيجب علينا أن نأخذ الأحكام على مراحل كما كان متبعًا في أول الإسلام، وهو البدء بما نزل في مكة من أحكام، فإذا تمكنت الجماعة من الوصول إلى السلطة وحكمت بالإسلام أخذت بما نزل في المدينة في عهد التمكين، وأما العصر الذي نعيش فيه فهو عصر الاستضعاف المكي، فلا يحرم نكاح النساء المشركات ولا تحرم ذبائح أهل الشرك، ولا تجب صلاة الجمعة ولا العيدين، ولا يجب صيام رمضان، ولا يجب على النساء لبس الحجاب ولا الاحتجاب من المحارم، ولا تجب إقامة للحدود، ولا يجوز الجهاد بل يجب كف الأيدي وعدم رد العدوان إلى غير ذلك من الأحكام التي لم تنزل إلا بالمدينة في عهد التمكين.

بل إن بعضهم قد غالى في ذلك فاعتبر أن قوله هذا جزء من أصول العقائد التي يكفر من أنكره، وبالتالي يكفر من لجأ إلى القوة في عهد الاستضعاف، ولهذا كان منهم من صرح بكفر سيد قطب وإخوانه لأنهم في نظرهم شرعوا في الأخذ بالقوة في عهد الاستضعاف، وهذا من الغلو الذي أدى إليه القول الباطل السابق، وهكذا المعصية تورث أخرى حتى تصل بالإنسان إلى الكفر عياذا بالله

ومختصر المسألة أن الجهاد كان ممنوعا في العصر المكي ثم مأذونا فيه ثم مأمورا به لمن بدأ المسلمين بالقتال ثم مأمورا به في مقابلة جميع المشركين، فهل يجب على كل جماعة أو طائفة تريد أن تنصر دين الله تعالى وتقيم شريعته في الأرض أن تسلك كل هذه المراحل من أولها حتى آخرها كما قال هؤلاء القوم: عليهم أن يبدؤوا من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن من المتيقين عند كل من اشتم رائحة العلم أنه بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقبل الحق، ثم استجاب له من استجاب من أفراد الصحابة - كما هو معروف في السيرة النبوية - ثم وقع بعد ذلك التعذيب والشدة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم جاء الأمر بالهجرة الأولى والثانية، حتى وطد الله عز وجل الإسلام في المدينة المنورة، وبدأت هناك المناوشات والمواجهات، وبدأ القتال بين المسلمين وبين الكفار من جهة ثم اليهود من جهة أخرى ... هكذا، إذا لا بد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام الحق كما بدأ الرسول، فهذا قولهم وهو صريح في وجوب البداءة بالمرحلة الأولى من مراحل الدعوة وهي دعوة الأفراد مع الصبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت