شتاء، والمجاهدون هم خير الناس تحقيقا للولاء والبراء في ذات الله، وهم أشد الناس بغضا للكفار، وخصوصا المرتدين منهم، فلا يوادون من حاد الله ورسول بحال من الأحوال ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، فعسى أن يكونوا من الذين كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ومن الذين يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ومن الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهم إن شاء الله تعالى من حزب الله المفلحين، والمجاهدون هم خير من بذل في سبيل الله والدين، وهل هناك أعظم وأغلى من الدماء تجري وتسيل في سبيل الله تعالى؟ وهل الدموع كالدماء ما لكم كيف تحكمون، ولقد صدق العالم المجاهد ابن المبارك حينما قال للعالم المجتهد والعابد الزاهد الصائم القائم الفضيل بن عياض:
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
وليس هناك على وجه القطع واليقين وبنص الحديث أفضل ممن خرج يخاطر بنفسه وماله في سبيل الله تعالى كلما سمع هيعة طار إليها [1] ، فأي فضل أعظم من هذا الفضل؟! وأي شرف أرفع من هذا الشرف؟! والمجاهدون هم أساتذة الصبر والمصابرة، لم يتعلموا ذلك في المدارس أو المكاتب المكيفة، وإنما في ساحات الجهاد وعلى رءوس الجبال، والمجاهدون هم أعظم الناس تواضعا إن كان أحدهم في الساقة رضي وإن كان في الحراسة رضي لأنهم يعلمون أن أبواب الجنة متعددة وأن من حرس من وراء المسلمين ليلة حرم جسده على النار، هم أهل السبق والاستجابة لله ورسوله فحينما نادي المنادي يا خيل الله اركبي هبوا هبة الأسد المدافع عن عرينه يتزاحمون في المطارات بحثا عن العز والشهادة، وغيرهم يتزاحمون في المطارات للنزهة وأحسنهم للحصول على رسائل الماجستير والدكتوراه، فهل هناك مقارنة بين هذين الجهادين وهاتين الهجرتين؟ كلا وألف كلا ولكل امرئ ما نوى، ويكفي المجاهدين أن الله شهد لهم أنهم أهل الهداية والرأي الرشيد، قال ابن تيمية رحمه الله: ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم كما دل عليه قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) [2] فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم لأن الله يقول (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) . اهـ [3] ، ولو ذهبنا نتتبع جميل خصالهم وعظيم تربيتهم لما استطعنا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن يحشرنا في زمرتهم وأن يرزقنا شفاعتهم آمين
(1) كتبنا مبحثا خاصا مفيدا إن شاء الله في فضل الجهاد والمجاهدين وأنهم أفضل من العباد والزهاد والصوام القوام فراجعه إن شئت.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 69.
(3) راجع مجموع الفتاوى ج28/ 443.