الآية، وأمره الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله (فاعفوا واصفحوا) وقوله (وأعرض عن المشركين) [1] ونحو هذا في العفو عن المشركين، قال: نسخ ذلك كله بقوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ... ) وقوله (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [2] ، ثم ذكر قول السدي أيضا [3]
وقال أيضا رحمه الله: مثال النسخ ببدل أن الله تعالى نهى المسلمين أول الأمر عن قتال الكفار ورغبهم في العفو والصفح بمثل قوله سبحانه (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) ، ثم نسخ الله هذا النهي وأذن لهم بالجهاد فقال (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) الآيات [4] ، ثم شدد الله وعزم عليهم في النفير للقتال وتوعدهم إن لم ينفروا فقال (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير) [5] . اهـ [6]
وقد جزم ابن حزم أيضا بالنسخ فقال رحمه الله: قوله تعالى (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) منسوخة وناسخها قوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) . اهـ [7]
وقد ذهب القرطبي أيضا إلى أن أية الصفح والعفو منسوخة فقال رحمه الله: قوله تعالى (فاعفوا واصفحوا) والعفو: ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: إزالة أثره من النفس، صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه، وقد ضربت عنه صفحا إذا اعرضت عنه وتركته، هذه الآية منسوخة بقوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون) إلى قوله (صاغرون) عن ابن عباس، وقيل: الناسخ لها (فاقتلوا المشركين) قاله أبو عبيدة.
وقال في تفسير قوله تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) [8] : وهذه الآية نسخت كل
(1) سورة الأنعام، الآية: 106.
(2) سورة التوبة، الآية: 5.
(3) مناهل العرفان ج1/ 61 - 262.
(4) سورة الحج، الآية: 39.
(5) سورة التوبة، الآية: 39.
(6) مناهل العرفان ج2/ 158
(7) الناسخ والمنسوخ لابن حزم ج1/ 21
(8) سورة التوبة، الآية: 73.