الصفحة 66 من 111

وأموالكم) [1] ، وكان ينصب لحسان منبرا في مسجدا يجاهد فيه المشركين بلسانه جهاد هجو، وهذا كان بعد نزول آيات القتال، وأين منفعة الهجو من منفعة إقامة الدلائل والبراهين على صحة الإسلام وإبطال حجج الكفار من المشركين وأهل الكتاب ... ومعلوم أن ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين، فآمنت به المهاجرون والأنصار طوعا واختيارا بغير سيف لما بان لهم من الآيات البينات والبراهين والمعجزات، ثم أظهره بالسيف فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداء ودفعا فلأن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداء ودفعا لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى، فإن وجوب هذا قبل وجوب ذاك، ومنفعته قبل منفعته، ومعلوم أنه يحتاج كل وقت إلى السيف، فكذلك هو محتاج إلى العلم والبيان، وإظهاره بالعلم والبيان من جنس إظهاره بالسيف، وهو ظهور مجمل علا به على كل دين، مع أن كثيرا من الكفار لم يقهره سيفه ... إلى آخر قوله النفيس رحمه الله [2]

ففي هذا القول النفيس مختصر الفصل في مسألتنا وفيه بيان ضرورة الدعوة والقتال لظهور الإسلام وأنه لا غنى للمسلمين عن كتاب هاد وسيف ناصر، وأن من أراد حمل الناس على أحدهما ونهى عن الآخر فقد قال باطلا وأتى بدعة محدثة والله تعال أعلم.

ومما يؤيد ما قلناه من وجوب الجهاد على أي جماعة من جماعات المسلمين تريد أن تنصر الإسلام وتعيد له مجده وعزه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشر بأن الجهاد لا ينقطع أبدا حتى تقوم الساعة وتظهر أماراتها الكبرى، وأنه لا تزال من أمته طائفة مدافعة عن الحق مقاتلة لمن أبى الانصياع إليه ومن هذه الأحاديث:

ما ورد عن جابر بن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة) [3]

وعن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) [4]

(1) رواه أحمد والنسائي وأبو داود وابن حبان والبيهقي والحاكم والدارمي

(2) راجع الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج1/ 239 وما بعدها.

(3) رواه مسلم.

(4) رواه البخاري ورواه أيضا بلفظ (ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) ورواه أبو عوانة عن عمير بن هانئ قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما على المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله على ذلك) وفي رواية عنده (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) فقام مالك بن يخامر فقال يا أمير المؤمنين سمعت معاذا رضي الله عنه يقول: (وهم بالشام) قال معاوية هذا مالك بن يخامر يزعم أنه سمع معاذا يقول: (وهم بالشام) ، وعن عبد الله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول على المنبر بدمشق: أيها الناس إياكم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ألا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالطهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) وعن يزيد بن الأصم قال: سمعت معاوية ذكر حديثا رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت