الصفحة 65 من 111

الأمرين حيث قال: فإن من الناس من يقول آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخة بآية السيف لاعتقاد أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط فإن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضًا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس، ومناقضة الأمر بصيام رمضان للمقيم للتخيير بين الصيام وبين إطعام كل يوم مسكينا، ومناقضة نهيه عن تعدي الحدود التي فرضها للورثة للأمر بالوصية للوالدين والاقربين، ومناقضة قوله لهم كفوا أيديكم عن القتال لقوله قاتلوهم كما قال تعالى (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) [1] ، فأمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم عنهم، فأما قوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) [2] ، وقوله (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) [3] ، فهذا لا يناقض الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم، ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة.

فأما مع إمكان الجمع بين الجدال المأمور به والقتال المأمور به فلا منافاة بينهما، وإذا لم يتنافيا بل أمكن الجمع لم يجز الحكم بالنسخ، ومعلوم أن كلا منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر، وأن استعمالهما جميعا أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق، ومما يبين ذلك وجوه، أحدها: أن من كان من أهل الذمة والعهد والمستأمن منهم لا يجاهد بالقتال، فهو داخل فيمن أمر الله بدعوته ومجادلته بالتي هي أحسن وليس هو داخلا فيمن أمر الله بقتاله ... إلى أن قال:

الوجه الخامس: وهو أن يقال المنسوخ هو الاقتصار على الجدال فكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر مأمورا أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده، فيدعوهم ويعظهم ويجادلهم بالتي هي أحسن ويجاهدهم بالقرآن جهادا كبيرا، قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية (وجاهدهم به جهادا كبيرا) ، وكان مأمورا بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال، ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش ملوك العرب ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام أمره الله تعالى بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة، فكان الذي رفعه ونسخه ترك القتال، وأما مجاهدة الكفار باللسان فما زال مشروعا من أول الأمر إلى آخره، فإنه إذا شرع جهادهم باليد فباللسان أولى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم

(1) سورة النساء، الآية: 77.

(2) سورة النحل، الآية:125.

(3) سورة العنكبوت، الآية:46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت