القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية، ولأجله بعث الله رسله وأنزل كتبه، ومازال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثه الله سبحانه إلى أن قبضه إليه جاعلا لهذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شئونه، وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام ولا لبعضها، وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم. اهـ [1] ، وقد نقل هذا الإجماع أيضا صديق حسن خان [2]
يتبين من كل ما سبق أنه ليس هناك خلاف حقيقي بين قول من قال بأن آيات الصفح والعفو منسوخة بالآيات الموجبة لقتال أهل الشرك ومن قال بأنها مؤقتة إلى غاية ورود الأمر بالقتال عند حصول القوة والقدرة عليه، فكلا القولين مؤداهما أن العمل بآيات الصفح والعفو عند القدرة على مباشرة القتال ممنوع غير صحيح، فأين هذا من قول من قال بوجوب البداءة بما بدأ به نبينا صلى الله عليه وسلم من الدعوة والصفح والعفو والصبر ثم الهجرة ... إلى آخر مراحل تشريع القتال.
هذا ومن المعلوم وكما سبق ذكره أن الله تعالى خاطب أهل الإيمان بالإعداد للجهاد وتحصيل القوة بمختلف أنواعها عند العجز عن مباشرته، فهل في ذلك ما يقتضي صحة القول بترك الجهاد بحجة العجز، والإنكار على من أعد له أو باشره عند تحصيله للقوة والقدرة اللازمة له واعتبار الجهاد والإعداد حينئذ بدعة عصرية؟
ومما تجدر الإشارة إليه والتنبيه عليه أن لا مناقضة البتة بين دعوة الكفار ومجادلتهم بالحسنى وتصفية كتب العلم ومحاربة البدع والتربية وبين قتال من يستحقون القتال إن أبو الانصياع لأحكام الإسلام، ومن أراد أن يفتعل معركة بين الأمرين فهو محجوج بأدلة القرآن والسنة، لأنا نقول أنه لابد من بلوغ الدعوة إلى كل من نقاتلهم قبل قتالنا لهم، وهذا هو الراجح في مسألة بلوغ الدعوة قبل القتال، فدعوتهم وجدالهم بالتي هي أحسن يكون حيث ما لم تبلغهم الدعوة، وأما وجوب قتالهم فيكون إذا أعرضوا عن مقتضى هذه الدعوة والعمل بها، أو يكون ذلك في حق أهل الذمة والعهد ومن أراد سماع كلام الله تعالى من المشركين وأهل الكفر، فلا معارضة ولا تناقض بين الأمرين الدعوة والقتال والله تعالى أعلم.
وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله قولا نفيسا في الرد على من منع من الدعوة بعد الأمر بالقتال وعلى من أراد حمل المسلمين على الاقتصار على الدعوة فقط وترك القتال بعد تمام الدين وكماله ونزول الأمر بالقتال وذلك لضرورة
(1) السيل الجرار ج4/ 518 - 519.
(2) الروضة الندية ج2/ 333.