الصفحة 63 من 111

والصفح مؤقتا بغاية وهو إتيان أمره بالقتال، ولو كان غير مؤقت بغاية لجاز أن يكون منسوخا [1]

وقد ذكر أبو بكر الجصاص رحمه الله جمعا نفيسا بين الآيات الواردة في الصبر والعفو والصفح عن أهل الشرك وأنها كانت لضرورة إقامة الحجة عليهم، وبين الآيات الواردة بفرض قتالهم بعد الانتهاء من لإقامة الحجة على المشركين وظهور معاندتهم فقال: قوله تعالى (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ، روى معمر عن قتادة في هذه الآية قال: نسختها (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ، وساق بسنده إلى ابن عباس في قوله تعالى (لست عليهم بمصيطر) [2] ، وقوله تعالى (وما أنت عليهم بجبار) وقوله تعالى (فأعرض عنهم واصفح) وقوله تعالى (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) [3] قال: نسخ هذا كله قوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وقوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون) الآية ومثله قوله تعالى (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) [4] ، وقوله تعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) [5] ، وقوله تعالى (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) [6] ، يعني والله أعلم متاركة، فهذه الآيات كلها أنزلت قبل لزوم فرض القتال وذلك قبل الهجرة، وإنما كان الغرض الدعاء إلى الدين حينئذ بالحجاج والنظر في معجزات النبي وما أظهره الله على يده، وأن مثله لا يوجد مع غير الأنبياء، ونحوه قوله تعالى (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) [7] ، وقوله تعالى (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) وقوله تعالى (أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) (فأنى تؤفكون) (أفلا تعقلون) (فأنى تصرفون) ونحوها من الآي التي فيها الأمر بالنظر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما أظهره الله تعالى له من أعلام النبوة والدلائل الدالة على صدقه، ثم لما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال بعد قطع العذر في الحجاج وتقريره عندهم حين استقرت آياته ومعجزاته عند الحاضر والبادي والداني والقاصي بالمشاهدة والأخبار المستفيضة التي لا يكذب مثلها [8]

وقد بيّن ابن تيمية رحمه الله أن الصفح والعفو جعل إلى غاية ورود أمر الله تعالى بالقتال المنوط بالقدرة عليه فقال: قوله (فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره) أما الصبر فإنه مأمور به مطلقا فلا ينسخ، وأما العفو والصفح فانه جعل إلى غاية وهو أن يأتى الله بأمره، فلما أتى بأمره بتمكين الرسول صلى الله عليه وسلم ونصره، صار قادر على الجهاد لأولئك وإلزامهم بالمعروف ومنعهم عن المنكر صار يجب عليه العمل باليد في ذلك ما كان عاجزا عنه، وهو مأمور بالصبر في ذلك كما كان مأمور بالصبر أولا [9]

وقد رجح محمد بن محمد بن محمد الغزي رحمه الله أن آيات الصفح والعفو يعمل بها عند الضعف والعجز عن القتال وأن آيات القتال يعمل بها عند القوة والنصرة وهو موافق لقول ابن تيمية فقال الغزي: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخا بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى (أو ننسأها) فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك، بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله يقتضي ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله، وقال مكي: ذكر جماعة أن ما ورد في الخطاب مشعر بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) محكم غير منسوخ لأنه مؤجل بأجل والمؤجل بأجل لا نسخ فيه [10]

وقد نقل ابن جرير الإجماع على القول بنسخ قوله تعالى (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) بآية القتال فقال: وهذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين، وإنما قلنا هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك [11] .

وقريب من هذا قول الجصاص رحمه الله في قوله تعالى (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعلنا لكم عليهم سبيلا) [12] : ولا نعلم أحدًا من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين، وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره، فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال لمن كان وصفه ما ذكرنا. اهـ [13]

وفي ذلك يقول الشوكاني رحمه الله: أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو

(1) الناسخ والمنسوخ للكرمي ج1/ 54

(2) سورة الغاشية، الآية: 22.

(3) سورة الجاثية، الآية: 14.

(4) سورة النجم، الآية: 29.

(5) سورة فصلت، الآية: 34.

(6) سورة الفرقان، الآية: 63.

(7) سورة سبأ، الآية: 46.

(8) أحكام القرآن للجصاص ج1/ 74

(9) مجموع فتاوى ابن تيمية ج15/ 170

(10) إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن لمحمد الغزي ج2/ 57، 59، راجع: تفسير البيضاوي ج1/ 383.

(11) تفسير الطبري ج25/ 144.

(12) سورة النساء، الآية: 90.

(13) أحكام القرآن ج2/ 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت