الصفحة 62 من 111

الصفح والعفو عند القدرة، وسنذكر هذه الأقوال بعد ذكرنا لأقوال من قال بعدم النسخ.

وممن قال بعدم النسخ ابن الجوزري حيث قال رحمه الله: قوله تعالى (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) قال المفسرون: أمر الله بالعفو والصفح عن أهل الكتاب قبل أن يؤمر بقتالهم، ثم نسخ العفو والصفح بقوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) الآية، هذا مروي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما، وساق بسنده عن قتادة قال: أمر الله نبيه أن يعفو عنهم ويصفح حتى يأتي الله بأمره فأنزل في براءة (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) فنسخها بهذه الآية وأمره فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية، وعنه (فاعفوا واصفحوا) نسختها (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ، وعن أبي العالية (فاعفوا واصفحوا) نسخ بقوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)

قال ابن الجوزي: واعلم أن تحقيق الكلام دون التحريف فيه أن يقال: إن هذه الآية ليست بمنسوخه، لأنه لم يأمر بالعفو مطلقا وإنما أمر به إلى غاية، وبيَّن الغاية بقوله (حتى يأتي الله بأمره) وما بعد الغاية يكون حكمه مخالفا لما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون أحدهما ناسخا للآخر، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته والآخر محتاجا إلى حكم آخر، وقد ذهب إلى ما قالته جماعة من فقهاء المفسرين وهو الصحيح، وهذا إذا قلنا إن المراد العفو عن قتالهم، وقد قال الحسن: هذا فيما بينكم وبينهم دون ترك حق الله تعالى حتى يأتي الله بالقيامة، وقال غيره: بالعقوبة، فعلى هذا يكون الأمر بالعفو محكما لا منسوخا [1]

وقال أيضا: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) زعم قوم أنها منسوخة بآية السيف وليس بصحيح، لأنه لم يأمر بالعفو مطلقا بل الى غاية، ومثل هذا لا يدخل في المنسوخ.

وقال أيضا في قوله تعالى (واصبر حتى يحكم الله) قيل: نسختها آية السيف وليس بصحيح، لأن الأمر بالصبر إلى غاية وما بعد الآية يخالف ما قبلها على ما بينا في (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) [2]

وقال الكرمي رحمه الله: قوله تعالى (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ، أصل العفو: الترك والمحو، والصفح: الإعراض والتجاوز، نسخ بقوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون) إلى قوله (وهم صاغرون) ، وأمر الله بالقتل والسبي لبني قريظة وبالجلاء والنفي لبني النضير، قال المحققون: إن مثل هذا لا يسمى منسوخا، لأن الله جعل العفو

(1) راجع نواسخ القرآن ج1/ 45: 47.

(2) المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي ج1/ 15، 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت