الصفحة 68 من 111

الخيل ووضعوا السلاح وقالوا لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها؟ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: (كذبوا الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحي إلي أني مقبوض غير ملبث وأنتم تتبعوني أفنادا يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين الشام) [1]

فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث أنه لا تزال طائفة من أمته تقاتل في سبيل الله وأن ذلك لا ينقطع حتى آخر الزمان، وبهذا المعنى ترجم كثير من الأئمة لهذا الحديث، فقد بوب عليه البخاري باب دوام الجهاد إلى يوم القيامة، وقال أبو داود في سننه: باب في دوام الجهاد، ثم ذكر حديث عمران بن حصين، وكذلك قال ابن الجارود: باب دوام الجهاد إلى يوم القيامة، ثم ذكر حديث جابر السابق.

وقال النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة، فإن هذا الوصف مازال بحمد الله تعالى من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث. اهـ [2]

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة) ، قال الحافظ ابن حجر في شرحه: وفيه أيضًا بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة، لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون، وهو مثل الحديث الآخر: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق) [3]

والمقصود من ذكر هذه الأحاديث أنه لا تزال من أمة الإسلام ولله الحمد فئة مقاتلة على الحق وإنْ كانت قليلة من يخالفها ويخذلها أكثر ممن يوافقها إلى أن يأتي أمر الله المذكور في الحديث، ومقتضى هذه الأحاديث بطلان القول بأنه يمكن أن ترجع أمة الإسلام إلى حالة من الاستضعاف كالتي كان عليها المسلمون في العصر المكي، بحيث يكون واجب على الجميع حينئذ هو العفو والصفح لا الجهاد والقتال وهذا واضح، وهو يدل على بطلان قول من قال: بترك الجهاد والقتال والانشغال بالدعوة والتصفية والتربية فحسب ولله الحمد والمنة.

ومما يجب أن يُتَنبه إليه أن كل ما ذكرناه سابقا متعلق بجهاد الطلب - أي غزو الكفار في ديارهم بعد بلوغ الدعوة إليهم ـ، أما في جهاد الدفع المتعين - أي دفع الصائل على الدين والحرمة والعرض والمال - فلم يقل أحد من أهل العلم المعتبرين قديما وحديثا بترك هذا النوع من الجهاد أو تبديع من قام به، بل قولهم الذي اتفقوا عليه هو

(1) رواه النسائي.

(2) شرح صحيح مسلم للنووي ج7/ 77.

(3) فتح الباري ج6/ 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت