وجوب الدفع بالمُستَطاع، وأن الدفع عن الدين والعرض والنفس والمال ضد العدو الصائل واجب متعين لا يسع أحد تركه لأي سبب من الأسباب، فيخرج الولد بدون إذن والديه، والعبد بدون إذن سيده، والمدين بدون إذن دائنه، ولا يُشترط له زاد ولا راحلة ولا نفقة، إذ أن العدو قد حل بالعقر، بل من العلماء الكرام من صرح بوجوب خروج المرأة بدون إذن زوجها - وإن كان ذلك مرجوحا [1] - حتى إن شيخ الإسلام اين تيمية رحمه الله قد صرح بأن دفع الصائل هو أوجب الواجبات بعد الإيمان بالله تعالى ولا يُشترط له شرط البتة، فأين هذا من قول من يوجب على المسلمين الذين ضاعت شريعتهم واحتلت ديارهم بتغلب طائفة المرتدين عليهم السكوت والعودة إلى طور الدعوة المكي، وها أنا أنقل لك أخي الكريم طرفا من نصوص أقوال أهل العلم المصرحة بوجوب دفع الصائل على الدين أو النفس أو العرض أو المال أو دار الإسلام المتعين.
قال القرطبي رحمه الله: وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبانا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بعدوهم ومدافعتهم، وكذلك من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم، لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ولا خلاف في هذا. اهـ [2] ، قلت: وقد حل العدو المرتد المحارب لله ورسوله وتغلب على بلاد المسلمين من أزمان وإنا لله وإن إليه راجعون.
وقال الجصاص رحمه الله: ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم، ولكن موضع الخلاف بينهم أنه متى كان بإزاء العدو مقاومين له ولا يخافون غلبة العدو عليهم هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. اهـ [3]
(1) ذكرنا تفصيلا لذلك بفضل الله تعالى وكرمه في المبحث الخاص بشروط وجوب الجهاد وأنه لا يجب على المرأة فراجعه هناك.
(2) تفسير القرطبي، ج8/ 141ـ142، راجع قول ابن عبد البر في كتابه الكافي ج1/ 205.
(3) أحكام القرآن للجصاص ج4/ 312.