الصفحة 70 من 111

وقال الكاساني: فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد فهو - أي الجهاد - فرض عين يُفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه لقوله سبحانه وتعالى (انفروا خفافا وثقالا) ، وقوله سبحانه وتعالى (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) ، ولأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت، لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به، فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضا على الكل عينا بمنزلة الصوم والصلاة، فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها، لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عينا مستثناه عن ملك المولى والزوج شرعا كما في الصوم والصلاة، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه، لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة والله سبحانه وتعالى أعلم. اهـ [1] ، وقد هجم الأعداء المرتدين على بلاد المسلمين وغلبوا على حكمها من أزمان متطاولة، فهل يصح أن يُقال لأهل الإسلام لا يجوز لكم النفير والانشغال بجهاد هؤلاء المرتدين ودعوهم يسرحون ويمرحون ويفسدوا الدنيا والدين ولا ترفعوا في وجوههم السلاح حتى لا تكون فتنة؟ قليل من الحياء أيها القوم، وإذا لم يستح الإنسان فليقل ما شاء.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان. اهـ [2]

وقال أيضا رحمه الله: لأن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة فإن قتل فيه فهو شهيد، فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبا، ولهذا يتعين على كل أحد يقم ويجاهد فيه، العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق، ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون، فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين فكان الجهاد واجبا عليهم، لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار، ولهذا تباح فيه صلاة الخوف بحسب الحال في هذا النوع، وهل تباح في جهاد الطلب إذا خاف فوت العدو ولم يخف كرته؟ فيه قولان للعلماء هما روايتان عن الإمام أحمد، ومعلوم أن الجهاد الذي يكون فيه الإنسان طالبا مطلوبا أوجب من هذا الجهاد الذي هو فيه طالب لا مطلوب والنفوس فيه أرغب من الوجهين. اهـ [3]

(1) بدائع الصنائع ج7/ 97.

(2) الاختيارات الفقهية لابن تيمية/309.

(3) الفروسية / 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت