الصفحة 71 من 111

وقال أيضا رحمه الله: وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا وهو خير مما في المختصرات، لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية؟ كلام أحمد فيه مختلف، وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال ووقعة أحد من هذا الباب. اهـ [1]

وقال أيضا رحمه الله: فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فانه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال الله تعالى (وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) [2] ، وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم [3] ، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه ولإرهاب العدو كغزاة تبوك ونحوها. اهـ [4] ،فقتال هؤلاء المفسدين لدين الناس ودنياهم اليوم من الحكام الطواغيت وأعوانهم وجنودهم هو دفع للصائل على الدين والعرض والنفس والمال ولا شك، يجب على كل مسلم السعي في دفعه بما يملك، وإلا كان

(1) الفتاوى الكبرى ج4/ 609.

(2) سورة الأنفال، الآية: 72.

(3) روى البخاري والترمذي وأحمد عن أنس رضي الله عنه بألفاظ متقاربة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما) قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال صلى الله عليه وسلم: (تأخذ فوق يديه) وهذا لفظ البخاري، وروى مسلم وأبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) وهذا لفظ مسلم، وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه التقوى ها هنا بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم) قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وفي الباب عن علي وأبي أيوب رضي الله عنهما، وروى أحمد عن إسماعيل بن بشير قال سمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاريين رضي الله عنهما يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من امرئ يخذل امرأ مسلما عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله عز وجل في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر امرأ مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته)

(4) مجموع الفتاوى ج28/ 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت